+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

دور اللغة العربية في نشأة اللغة الفرنسية (مقال مترجم)
بقلم: محمد حميد الله الحيدرآبادي[1]

  ترجمته من الأردوية: د. هيفاء شاكري[2]

 

إن هذا فقط رأي واستنباط ونظرية، وفي المراحل الأولى من التحقيق، ويحتاج أيضًا إلى بعض التمهيد.

“يسبّح الرعد بحمده” (13:13) و” وإن من شيء إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم” (14:44).

بغض النظر عن الآيتين السابقتين وما يماثلهما من الآيات، نجد أنه لا يمكن للجمادات أو حتى النباتات أن تصدر أصواتًا بإرادتها، وأن هذا أمر يخص الكائنات الحية فقط، ومن ضمنها يمتلك الإنسان القدرة الكبيرة على ذلك. وقد كشفت الآلات المكبرة للصوت أن الأسماك أكثر من يصدرالأصوات. وتمت معرفة لغات مختلفة للحيوانات، وأن ما تصدرها من الأصوات في حالة السرور والخوف وغيرها تختلف فيما بينها، ولذلك فلا حاجة في زمننا هذا أن نؤمن بما ذكر في القرآن من “منطق الطير” (27:16-18)، و”قالت نملة” لأجل الإيمان والاعتقاد فقط، (إنما ثبت ذلك بالتحقيق العلمي).

أما ما يتعلق بالبشر فإذا استنبطنا من ” خلقكم أطوارًا” (71:14) فيمكن أن نقول إنه خرجت في البداية أصوات فطرية مفردة، ثم استخدم الإنسان أصواتًا مركبة ومجموعات الأصوات حسب ضرورته تدريجيًا. صوت أو مجموعة واحدة لغرض واحد وصوت ومجموعة ثانية لغرض آخر.

وربما أشار القرآن إلى ذلك في قوله: “وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين” (2:31)

ويمكن التمييز بين الأشياء المختلفة والمعاني بأسمائها، وهذا ما فعله آدم. وهذه القصة مذكورة في الإنجيل أيضًا، (سفر التكوين، 2: 19-20). وفيها يسمي آدم الأشياء بنفسه. ( إن أهمية الأسماء مذكورة في كتب كونفوشيوس أيضًا، ولكن بذكر التفاصيل نبتعد عن موضوعنا الأصلي)

ربما تكون الحاجة قد برزت لأداء معنى الماضي والحال والمستقبل إضافة إلى التمييز بين الأمر والنهي بعد الأسماء والأفعال، وهكذا خرجت اللغة إلى حيز الوجود، وكانت الكلمات محدودة في البداية، ثم تطورت تدريجيًا في كل جيل. ومع نشأة المهن والاختصاص كان من اللازم التمييز في المعلومات الفردية.

إن بداية عدة لغات وليست لغة واحدة من زوج واجد (آدم وحواء)، ثم وجود الفروق فيها لدرجة أن الشخص لا يفهم اللغة التي يتحدث بها الآخر لشيء محير في كل زمان. وقد ذكر في الإنجيل (سفر التكوين، 11: 1-9) أن لغة البشر كانت واحدة قبل طوفان نوح، وإن الأشخاص الذين نجوا من الغرق توجهوا إلى أرض شنغار وبدؤوا هناك بإنشاء مدينة من اللبن، وأرادوا بناء منارة يصل علوها إلى السماء، (ربما أرادوا رؤية الرب)، ولم يعجب الرب عملهم هذا فنزل من السماء وفرقهم في الأرض، وبذلك تفرقت لغاتهم، وسمي ذلك المكان بـ( بابل) والذي يعني اختلاف اللغات وولادة لغات جديدة.

ولا يوجد ما يثبت هذه القصة في القرآن الكريم أو الحديث، ولكن ذكرت في القرآن آية بليغة: “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين” (20: 22) لا أدري إن كان قد ذكر شيء مشابه لهذا في الآداب الهندوسية (السنسكيرتية). على كل فما كان الحال أيام نزول القرآن باقٍ إلى الآن، وإن اختلف شيء فهو أنه كانت هناك محاولتان لتصنيع وتطوير لغة جديدة في أوروبا: وولابوك (Volapuk) والتي أنشأها جون مارتين شلاير(J.H.Schleyer) في عام 1879م، والثانية ايسبرانتو (Esperanto) التي كانت إصلاحًا لسابقتها وقد أنشأها البروفيسور تسامنهوف (Zamenhof) لتسهيل الروابط بين الشعوب. وهي باقية إلى يومنا بعد جهد جهيد، وليس هناك شعب مستقل يتحدث بها ولكن يوجد في العالم أشخاص يمكنهم فهمها والتحدث بها.

ولا توجد في العالم لغات مختلفة فقط وإنما لهجات وفروع مختلفة أيضًا. فمثلًا في اللغات الهندية هناك فرق واضح بين اللغة الأردية والدكنية. إن إخواننا المواطنين الذين سكنوا إنجلترا ومرّ عليهم جيل كامل هناك يذكرون أن اللغة الإنجليزية تطورت وما زالت لدرجة أن أبناء الإنجليز المسيحيين أنفسهم لا يفهمون اللغة المستعملة في الإنجيل.

إن ما وصلنا إليه من أسباب وطرق اختلاف اللغات ونشأة لغات جديدة من علم لقصة طويلة، وأكتفي بمثالين من زمننا:

1ـ سنحت لي فرصة زيارة المدينة لجنوب إفريقية جوهانسبرغ، وتسكن هناك عائلة ميان المحبة للعلم، شاهدت في مكتبتهم كتابًا من تأليف رجل أبيض من هناك. يذكر أنه عندما سيطر الهولنديون على البلاد استقدموا العمال والعبيد بطرق مختلفة ليقوموا بأعمال المستعمرة الصعبة. واضطر هؤلاء العمال إلى تعلم اللغة الهولندية، وكانوا يتحدثون بها بطريقة خاطئة دون مراعاة لقواعد اللغة الهولندية، ثم جاء الإنجليز، وكان عدد هؤلاء العبيد من البغاليين والمالاباريين والملاويين والجاويين والعرب والحبشيين قد زاد على عدد البيض بكثير، وكانت اللغة الهولندية الخاطئة رائجة بينهم لدرجة أن الإنجليز القادمين اضطروا إلى التحدث بها حتى يتفاهموا مع عمالهم. ثم بدأ الهولنديون البيض وبسبب كراهيتهم للإنجليز دراسة هذه اللغة والتأليف بها. ولكن كان المسلمون المحليون قد بدؤوا التأليف بها قبلهم بفترة طويلة. وكانوا يسمّونها اللغة الإفريقانية. ويذكر مؤلف هذا الكتاب أن نماذج الأولى المكتشفة للغة أفريكانس الموجودة (الإفريقانية) مكتوبة من قبل المسلمين بالخط العربي. وهي كتب تتعلق بالإسلام. على كلٍ فإن الأثر الذي تركته العربية والحبشية على الهولندية، تولدت نتيجة لذلك اللغة الإفريقانية. وهي الآن اللغة الرسمية لجمهورية جنوب إفريقيا.

2ـ إذا كانت هولندا قد احتلت جزءًا من جنوب إفريقيا، فقد احتلت فرنسا جزءًا آخر، وكان الفارق الوحيد أن العمال كانوا يتحدثون الهولندية في جزء والفرنسية في الثاني. وكانت النتيجة واحدة، أي ولادة لغة جديدة. ولغة المنطقة الفرنسية تدعى كريول (Kreol)، ويوجد بها الآن كمية أدب يعتدّ به، ولو أنه قليل مقارنة بالإفريقانية التي تحتوي على تراجم كاملة للقرآن الكريم.

بقي أثر اللغتين (الإفريقانية والكريول) محدودًا، ولم تتأثر بهما اللغتان الأصليتان المستعملتان في هولندا وفرنسا. والسبب، كما يعلم، أنه لم يوجد هناك من يتحدث بهما.

قد تساعد هذه الأمثلة الحديثة على فهم واقع الزمن الماضي.

تناثر اللغة اللاتينية:

اندثرت اللغة اللاتينية والتي انتشرت في أجزاء كثيرة من أوروبا بسبب الفتوحات الرومية قبل ألف عام تقريبًا، وأصبحت لهجاتها المحلية لغاتٍ مستقلة. نريد بتلك الأسبانية والإيطالية والفرنسية. ونظريتنا في نشأة هذه اللغات أنها كانت بسبب اللغة العربية.

ولكن قبل الإدلاء بالتفاصيل والأدلة نجد من المناسب أن نذكر ميزة مهمة للغة العربية، فاللغات بشكل عام تتطور وترتقي تدريجيًا، ويقال أن اللغة تصبح غير مفهومة بعد 500 سنة، فمثلًا لا يستطيع الشخص الإنجليزي فهم منظومات الشاعر الإنجليزي الشهيرشاسر (Chaucer) المتوفى سنة 1400م حتى في مسقط رأسه لندن، إلا من تخصّص في الإنجليزية القديمة. والحال نفسه بالنسبة للفرنسية والألمانية والروسية وغيرها. والاستثناء الوحيد في هذه الحالة في تاريخ العالم هو اللغة العربية، وحتمًا ببركة كلام الله لم يتغير نحوها وصرفها ولم تتغير معاني المفردات فيها، وحتى النطق منذ 1500 سنة الماضية. فإن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حيًا لفهم الراديو العربي والصحف العربية بسهولة تمامًا مثلما كان يفهم معاصروه العرب، أو كما نفهم نحن القرآن والحديث. فليس هناك فرق في لغة العصرين، إن اللهجات المحلية قد اختلفت ولكن لغة العرب في التأليف والقراءة هي واحدة في كل مكان. وإن لم تكن هذه القوة موجودة في اللغة العربية لكانت الضرورة أن يرسل الرحمن الرحيم رسولًا جديدًا وينزل القرآن بلغة جديدة.

وكانت هذه هي اللغة العربية في قمة قوتها السياسية والعسكرية والتي اصطدمت باللغة اللاتينية.

دخل المسلمون إلى الأندلس في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه عام 27هـ، واستولوا تدريجيًا على جميع مناطق البرتغال وأسبانيا، وكذلك على جزءٍ كبيرٍ من إيطاليا وجنوب فرنسا. وقد حكموا أسبانيا لمدة 800 سنة تقريبًا، ومكثوا في إيطاليا وخاصة صقلية مدة طويلة، وفي جنوب فرنسا نفسها كانت هناك دولة إسلامية مستقلة دامت 150 سنة تقريبًا، وأوامر الحاكم المسلم بمنح الإقطاعيات محفوظة حتى في زمننا هذا.

وليس من غير المناسب إن ذكرنا أن آلاف الأسبان الحديثي العهد بالإسلام ظلوا يتحدثون الأسبانية ولكنهم كانوا متأثرين باللغة العربية. وكان العرب يطلقون كلمة “الخميادو” على هذه اللغة. وهي محولة من “الأعجمية”، (تتحول اللام إلى الخاء في الأسبانية)، وكانت هذه الخميادو تكتب بالخط العربي، وتوجد فيها تراجم قرآنية، وكتب الطب والعلوم الدنيوية الأخرى. وتوجد مئات من نسخها في مدريد وإيسكورال وغيرها حتى اليوم. وكذلك الحال بالنسبة للبرتغالية المكتوبة بالخط العربي.

تأثير العربية وخاصة على الفرنسية:

لم تكن اللغة اللاتينية رائجة فقط في إيطاليا، إنما في أسبانيا وفرنسا أيضًا، وكانت تحتل مكانة اللغة العلمية فيها.

وصل العرب إلى هذه البلدان ومكثوا فيها لمدة طويلة، فكان من اللازم أن يضطروا إلى التحدث باللاتينية. ولم تبق هذه اللغة على حالها لدى هؤلاء الأجانب كما كانت لدى علماء الفرنجة، وإن حاول العرب إفسادها فكان هدفهم هو تسهيلها، ثم أدخلوا بعض خصائص اللغة العربية على هذه اللاتينية الجديدة. وبقيت هذه اللاتينية الخاطئة تنمو وتتطور. وهكذا ولدت اللغات الأسبانية والإيطالية والفرنسية.

لا يهمني في هذا الموضع عدد الكلمات العربية في اللغة الفرنسية. فلا تتغيير اللغة بأخذ كلمات من لغة أخرى، بل تصبح الكلمات المستعارة تابعة لقواعد وجوّ اللغة التي دخلت إليها. وهذا يحدث دائمًا في اللغات الموجودة الحية. قد أرسل الروس قيل فترة قصيرة كرة بدأت تدور حول الكرة الأرضية، وسموها “إسبوتينك”، وفورًا دخلت هذه الكلمة إلى كل لغات العالم. مثلما حدث مع تليفون وعراموفون سابقًا. وما يهمني هي الكلمات التي تدخل إلى لغة ما زالت في مرحلة التطور من لغة أخرى، ولأن هذا البحث في بدايته، لذلك لا يمكن التوقع بوجود أمثلة كثيرة.

على كل حال، فالجميع يعرف أن اللاتينية لا تحتوي على علامة المعرفة، ولكنها توجد في فروعها الثلاثة: الفرنسية والإيطالية والأسبانية. في العربية توجد ال التعريف (الإسلام)، وفي الإيطالية IL ، وفي الأسبانية EL وفي الفرنسية كما يلي:

إذا أدخلنا أداة التعريف على اسم يبدأ بحرف العلة مثلًا (ل) L’وهذا موجود في العربية أيضًا، فإذا سبق ال التعريف حرف الباء فتسقط ألف ال التعريف، وتبقى اللام، فتصبح كلمة بالإسلام بلإسلام في نطقها. ولا ننطقها بأَلإسلام.

إذا أدخلنا ال التعريف على كلمة تبدأ بحرف صحيح فندخل LE في حالة المفرد المذكر، و LAفي حالة المفرد المؤنث، وLES في حالة جمعهما. (ولا توجد طريقة التعريف هذه في اللغة العربية)

إذا وجدت A بمعنى على قبل أداة التعريف فتتحول   A LEإلى  AUبمعنى على ذلك الشيء. ويقابلها في العربية اللام الشمسية والقمرية. فيختلف نطق اللام عندما تدخل على حروف مختلفة. مثلًا: الإسلام تنطق (ال إسلام) والسلام تنطق (اس سلام).

على كلٍ فلم تكن علامة التعريف موجودة في اللغة اللاتينية ولكنها جاءت في فروعها. فـ(ال) العربية، و(EL) الأسبانية و(IL) الإيطالية و(L) الفرنسية ملفتة للانتباه.

شيء آخر مهم هو أن الفعل في اللاتينية يأتي في نهاية الجملة مثل الأردية، وفي العربية يكون الفعل والفاعل في البداية ثم تأتي المفاعيل والمتعلقات الأخرى. ونجد في الفرنسية وغيرها من اللغات المتفرعة من اللاتينية القاعدة االعربية، والاضطرار إلى تغيير الشيء الموروث يحتاج إلى مؤثر خارجي قوي.

أذكر هنا شيئًا آخر، لا يوجد صوت (ج) في اللغة اللاتينية، وتستخدم (ي) مكانها، ولا فرق في الإيطالية، وتحولت في الفرنسية إلى (ژ )، وهي لهجة العربية في دول شمال إفريقيا. وكذلك الحال في لبنان. ولإظهار هذا الفرق أضيفت (î) إلى (I). ونفس الشيء في الإسبانية ولكنهم ينطقون (ج) (خ)، فجبرالتر هي خبرالتر، والواقع أن الـ(ج) لها نطق مختلف في القبائل المختلفة، ففي مصر تنطق (ج) (گ)، ( گمال عبد الناصر)، وفي يمن تتحول إلى ( ي)، في الحجاز تبقى (ج)، وفي لبنان وشمال إفريقيا (ژ)، وفي شرق إفريقيا (خ).

وفي النهاية من المهم جدًا أن نذكر أن أقدم استخدام لأداة التعريف في اللغة الفرنسية وجد في Cantilene de Saint-Eulalie والذي ألف في 880م تقريبًا، كما علم من الأكاديمية الفرنسية، وهو نفس زمن وجود المسلمين في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

في الوقت الذي كان المسلمون يحكمون ليست إسبانيا فقط وإنما جنوب فرنسا وإيطاليا أيضًا، وكانوا يسيطرون على مناطق من سويسرا في نفس الفترة. وكما يعرف زملاؤنا الأفاضل من كتابات المرحوم البروفيسور هارون خان الشيرواني، فبعد بحث اكتشفنا أن هناك لغة محلية في سويسرا تسمّى رومانش (Romansch)، وهي أيضًا فرع من اللاتينية، وفي هذه اللغة أيضًا تستعمل (IL) لجعل الكلمة معرفة، وبكلمات أخرى فإن للعربية تأثيرًا في تشكيل لغة الرومانش أيضًا.

وتجدر الإشارة إلى أن عامية شمال إفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس) تسقط فيها ألف ال التعريف. فيكتبون اسم عالم Larbi وأصله “العربي”، وكذلك Lahbabi ويراد به “الحبابي”. ويمكن ذكر آلاف الأمثلة لذلك. وقد علم أن العرب الذين وصلوا إلى جنوب فرنسا في القرن الثاني والثالث الهجري، وأثروا على اللاتينية الرائجة هناك، كانوا يسقطون الف ال التعريف. ونتيجة لذلك عندما دخلت أداة التعريف إلى الفرنسية أصبحت (LE) أو (L)، ولم تصبح (IL) أو (EL) مثل الأسبانية والإيطالية والرومانش.

على كلٍ فإن اللغات اللاتينية قد تأثرت بالعربية، وما أضيف إلى صرفها ونحوها من قواعد عربية، ظهرت فيها ال التعريف بشكل جلي.

وأنهي على هذا والله أعلم بالصواب.

————————————————————————-

[1] كاتب ومحقق كبير في الهند.

[2]  أستاذة مساعدة، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي، الهند

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of