جاء هذا الفعل مرة واحدة في القرآن الكريم فقال تعالى يذكر بخيلًا يتولّى عن الجود: “أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣ وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤”. (سورة النجم)
فأكدى في كلام العرب يعني:
- بخل وشحّ كما قال أبو دواد الإيادي:
| إذا أكدى قليبٌ صِرنَ منه | إلى جَمّاتِ أحواضٍ مِلاء[2] |
وقال الحطيئة:
| لا يُبعِد اللهُ مَن يُعطي الجزيلَ ومن | يحبو الجليلَ وما أكدى ولا نكدا[3] |
وقال الفرزدق:
| بنو كلِّ فيّاضِ اليدين إذا شتا، | وأكدتْ بأيمانِ الرجال المَطالبُ[4] |
وقال آخر:
إذا قلتُ أكدى الودْقُ ألقى المراسيا[5]
ولذا عدّوه من صفات البخيل كما قال رؤبة بن العجاج:
| سهلًا إذا أكدى البخيلُ المُكدِي | وما علمنا أحدًا من أحد[6] |
- قطع عطاءه كما قال عبيد بن الأبرص:
| ولقد يغنى به جيرانُك الـ | ممسكو منك بأسباب الوصال |
| ثم أكدى ودُّهم إذ أزمعوا الـ | بينَ والأيّامُ حالٌ بعد حال[7] |
وقال دريد بن الصمة:
| فإنْ أكدى فتامكةٌ تؤدَّي | وإنْ أربى فإني غيرُ نكس[8] |
- أقلّ عطاءه كما قال عدي بن زيد، والحسافة هي الشيء القليل،:
| عَفُّ المكاسب ما تُكدِي حُسافتُه، | كالبحر يقذف بالتيّار تيّارا[9] |
وقال عبد الله بن الحجّاج:
| أبى لك إذ أكدَوا وقلّ عطاؤهم | مواهبُ فيّاضٍ ومجدٌ مؤثّل[10] |
- شقّ عليه كما قال المزرّد:
| فطوّف في أصحابه يستثيبهم | فآب وقد أكدتْ عليه المسائل[11] |
وقال (أبو حزام[12]):
| إذا شِيمَ أكدى على كودنٍ | كما الفقعُ بالجلهة المَكمُؤَهْ[13] |
- تسوّل فألحّ في المسألة كما قال الأحوص الأنصاري:
| أعادتْك عبدًا أو تنقّلتَ مُكديًا | تَلمّسُ في حيٍّ سوى مالكٍ جِذما[14] |
- ما نجح في سعيه كما قال كعب بن مالك الأنصاري:
| فطاح سلامٌ وابنُ سَعيةَ عنوةً | وقيد ذليلًا للمنايا ابن أخطبا |
| وأجلبَ يبغي العزَّ والذلَّ يبتغي | خلاف يديه ما جنى حين أجلبا |
| كتارك سهل الأرض والحَزنُ همُّه | وقد كان ذا في الناس أكدى وأغلبا[15] |
وقالت عائشة رضي الله عنها في الانتصار لأبيها:
“أبي وما أبيه، أبي والله لا تَعطَوه الأيدي، ذاك طودٌ مُنيف، وفرعٌ مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح إذا أكديتم، وسبق إذا ونيتم”.[16]
- ومنه أصْبَحَ فقيرًا كما قال المأمون الحارثي: “وعاجزٌ مُثرٍ، وحُوَّلُ مُكْدٍ”.[17]
فمن منع العطاء إلى إقلاله إلى الحرمان من المراد إلى الإلحاح في المسألة نستنتج أنّ هذا الفعل يدلّ على السؤال والتسوّل أكثر من الإجابة والسخاء. ولذا يتعدّى بالباء وعلى فأكدى به: بخل وأكدى عليه: شقّ فالأول يعني عدم العطاء والثاني يدلّ على أنّه إذا أعطى ولو قليلًا فإنه يشقّ عليه.
ومن أروع نظم القرآن أنّه أولًا ذكر أنّ هذا المرء يبادر بالفرار عن العطاء، وإن اضطرّ إلى العطاء فلا يعطي إلا قليلًا، ولكنّ هذا القليل أيضًا يشقّ عليه إخراجُه إخراجَ الدلو المليئة من البئر المشطونة. صورة كاملة للبخل ظاهرًا وباطنًا.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم
- أساس البلاغة لأبي القاسم الزمخشري، تحقيق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1998م
- جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة لأحمد زكي صفوت، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، ط1، 1933م
- ديوان أبي دواد الإيادي، جمع وتحقيق: أنوار محمود الصالحي ود. أحمد هاشم السامرّائي، دار العصماء، سورية، ط1، 2010م
- ديوان الحطيئة، دراسة وتبويب: د. مفيد محمد قميحة، درا الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993م
- ديوان الفرزدق، شرح الأستاذ علي فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1987م
- ديوان المزرّد بن ضرار الغطفاني، تحقيق: خليل إبراهيم العطية، مطبعة أسعد، بغداد، ط1، 1962م
- ديوان المفضليات للمفضل الضبي، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، ط6
- ديوان دريد بن الصمة، تحقيق: د. عمر عبد الرسول، دار المعارف، القاهرة، د.ت.
- ديوان عبيد بن الأبرص، بشرح: أشرف أحمد عدرة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1994م
- ديوان عدي بن زيد العبادي، تحقيق وجمع: محمد جبار المعيبد، شركة دار الجمهورية للنشر والطبع، بغداد، 1965م
- ديوان كعب بن مالك الأنصاري دراسة وتحقيق، سامي مكي العاني، منشورات مكتبة النهضة، بغداد، ط1، 1966م
- شرح ديوان رؤبة بن العجاج، تحقيق: د. ضاحي عبد الباقي محمد، جمهورية مصر العربية، مجمع اللغة العربية، ط1، 2011م
- شعر سويد بن كراع العكلي، صنعة: الدكتور حاتم صالح الضامن، مجلة المورد الصادرة عن دار الحربة للطباعة، بغداد، 8/1/1979م
- شعراء أمويون، د. نوري حمودي القيسي، مكتبة النهضة العربية، بيروت، ط1، 1985م
- شعرالأحوص الأنصاري، جمع وتحقيق: عادل سليمان جمال، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1990م
- العباب الزاخر واللباب الفاخر للحسن بن محمّد بن الحسن الصغاني، تحقيق: فير محمد حسن المخدومي، قابل أصولَه وأعاد تحقيقَه: تركي بن سهو بن نزّال العتيبي، دار صادر، بيروت، ط1، 2022م
- عشرةُ شعراء مقلّون، صنعة: أ.د. حاتم صالح الضامن، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، العراق، 1990م
- لسان العرب لابن منظور الإفريقي، دار صادر، بيروت، د.ت.
- مختارات شعراء العرب لهبة الله بن علي أبي السعادات العلوي المعروف بابن الشجري، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط1، 1992م
- المخصص لأبي الحسن علي بن إسماعيل النحوي الأندلسي، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت.
***
[1] مدير تحرير “مجلة الهند” وأستاذ مشارك، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي
[2] ديوانه، ص 30
[3] ديوانه، ص 78 ويعزى نفس البيت إلى سويد بن كراع العكلي بتصريف لفظ:
| لا يُبعد الله من يعطي الجزيل ومَنْ | يحبو الخليلَ وما أكدى وما صلدا |
عشرة شعراء مقلّون، ص 91 وشعره، ص 152
[4] ديوانه، 87
[5] أساس البلاغة: رسا
[6] شرح ديوانه، 1/162
[7] مختارات ابن الشجري، ص 324
[8] ديوانه، ص 119
[9] لسان العرب: تير، وكذا ذكر رواية أخرى (تير) وهي: حسيفتُه: أي غيظه وعداوته، وفي الديوان (ص 54): يُلحِقُ، وما في اللسان أبلغ
[10] شعراء أمويّون، ص 310
[11] ديوانه، ص 48 وديوان المفضّليات، ص 101
[12] وهذا في العباب الزاخر (كمأ) وفيه كذا:
| إذا الشعرُ أعيا على كودنٍ | كما الفقعُ بالجلهة المَكمُؤَهْ |
[13] المخصص، 11/219
[14] شعره، ص 243 أكدى: تسوّل
[15] ديوانه، ص 176
[16] جمهرة خطب العرب، 1/123
[17] جمهرة خطب العرب، 1/36، حوّل: شديد الاحتيال.
Leave a Reply