توطئة:
الحمد لله الذي منّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا، وجعل سيرته العطرة خير قدوة وأنبل أسوة، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإن موضوع السيرة النبوية موضوع جميل ذو شرف وفضل، وهو مربوط بقلوبنا كمسلمين، فلابد من دراستها، والمعايشة معها، بما أنها تحيي النفوس المريضة، وتزيل عنها الهموم والكآبة، وتحرضهم على التحلي نفوسهم بالمكارم السامية والأخلاق الفاضلة، ولذا منذ بداية العصر الإسلامي، اعتنى أعلام السّير والمؤرخون والمحدثون بهذا الموضوع عناية بالغة، وأولوه غايةَ الدقة وكمالَ الاهتمام، وفي هذا الصدد لم يبق الشعراء الكبار معزولين عن هذا، بل ساروا على مسارهم حاملين السيرة النبوية في قصائدهم وإنتاجاتهم الشعرية، وهذه السنة لا تزال جارية وسارية بين الشعراء قديما وحديثا، شرقا وغربا.
قد وهب الله سبحانه وتعالى الشيخ غلام علي آزاد البلغرامي ملكة شعرية فذة، وفي جانب أعطاه سبحانه قلبا حنونا مشروبا بحب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإنه نظم أبيات كثيرة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وسرد فيها وقائع وأحداث ما جرت في عهد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبيّن معجزاته الباهرة، وخلقه الحسن بأسلوب شيق، فتوخينا أن نأخذ منها قسطا ونعالجها، ونلقي الضوء على أبياته الحاملة موضوع السير وطريقة سرده واستخدام الأدوات الفنية وما وراءها من جمال وروعة، هذا ونسأل الله التوفيق والسداد.
ترجمة الشاعر:
هو غلام علي بن السيد نوح الحسيني الواسطي البلغرامي الملقب بـ”حسان الهند”، المتخلص بـ “آزاد”. ولد هذا الشاعر العظيم ببلدة البلغرام، (1116 – 1200 ه / 1704 – 1786 م). والتي تعد من إحدى مراكز الثقافة العربية الإسلامية وعلومها وآدابها منذ القرن السابع الهجري)[1](، وهذه هي البلدة التي أنجبت مجموعة من العلماء الكبار والأدباء المتضلعين، فأبوه وجده من الأم وخالُه وبعضُ أقاربه من العلماء المعروفين في الهند. نشأ وترعرع الشيخ آزاد في أسرة دينية عربية الأصول. يصل نسبه إلى زيد الشهيد العراقي رحمه الله، وهو زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين)[2](.
تعليمه:
تتلمذ الشيخ آزاد على رجال وعلماء بلده، وتلقى عنهم العلوم المروجة والفنون المتداولة آنذاك، واستفاد بهم كثيراً، خاصة بالعالِمين الجليلين؛ العلامة السيد عبد الجليل بن السيد أحمد الحسيني الواسطي البلغرامي، والعلامة السيد طفيل محمد بن السيد شكر الله الحسيني الأترولوي البلغرامي رحمهما الله. وقرأ صحيح البخاري على الشيخ محمد حيات السندي المدني رحمه الله بالمدينة المنورة. وأخذ عنه علوم الحديث وإجازة الصحاح الستة وسائر مقروآته. وبعد العودة من المدينة المنورة لازم صحبة الشيخ عبد الوهاب الطنطاوي المصري رحمه الله المتوفى: 1157ھ في بيت الله الحرام، واستفاد به كثيراً في الأحاديث النبوية الشريفة([3]).
مكانته العلمية:
كان الشيخ آزاد عالماً كبيراً، شاعراً مُفْلِقاً، متبحرا في العلوم والفنون، إمامَ المادحين ورافعَ لواء المديح النبوي في شبه القارة الهندية، وكان له قدم راسخ في العربية والفارسية والتاريخ والسير والبلاغة والعروض وفي العلوم الشرقية. إنه خدم تراث المسلمين بالشبه القارة الهندية كثيراً، وحفظ علومهم وثقافتهم وتاريخهم اللامع من الاندثار إلى حدٍ لم يُضاهِه أحد في هذا المضمار.
يُعدّ الشيخ آزاد من أعظم الشعراء العربية والفارسية في شبه القارة الهندية، ويقول عنه الشيخ عبد الحي الحسني: “الشيخ الإمام العالم الكبير العلامة غلام علي بن نوح الحسيني الواسطي البلغرامي أحد العلماء المشهورين، لم يكن له نظير في زمانه في النحو واللغة والشعر والبديع والتاريخ والسير والأنساب”)[4](. نظم الشيخ آزاد الشعر في أغراض متنوعة من المدح والحب والغزل والوصف والرثاء، ولكن الغزل والمدح يسودان في معظم دواوينه الشعرية. وقد تجاوز عدد الأبيات في جميع دواوينه الشعرية سبعة عشر ألف بيت. ويقول البروفيسور سيد عليم أشرف الجائسي: “وقد حاول الأستاذ عبد المقصود محمد شلقامي إحصاء أبياته فبلغ أكثر من سبعة عشر ألف بيت”)[5](.
توفي الشيخ آزاد البلغرامي في مدينة أورنغ آباد بولاية مهاراشترا، ودفن بها في الموضع الذي عرف بالروضة في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 1200ھ- 15سبتمبر1786م)[6](. رحمه الله رحمة واسعة.
سبب اختيار الموضوع:
جعل الله سبحانه وتعالى شخصية نبيه صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة وأسوة كاملة ونموذجاً مثالياً للبشرية جمعاء، خاصة للذين آمنوا به وصدقوه وعزروه ونصروه، وما من قلب مؤمن نقي طاهر الا وهو يهفو إليه، ويحبب إلى سماع شمائله الطيبة، وسيرته العطرة. وكانت الألسنة المؤمنة –ولا تزال- تتلذذ بقراءة سيرته الشريفة، ولذا هناك جم غفير من الشعراء منذ العصور الأولى ينشدون بذكر محامده الطيبة وشمائله النفيسة، وهذه السنة جارية في الأمة بدأً من شواعر الرسول حسان بن ثابت، كعب بن زهير، ومالك بن رواحة رضي الله عنهم. تلونت قصائدهم المدحية بأذواق عصورهم، وطبائع بيئاتهم، وهذا شاعرنا الشيخ آزاد البلغرامي تهيأت له عدة جوانب المعرفة الثقافية والدينية والأدبية التي جعلته يتبوأ مكانة مرموقة بين شعراء الهند حتى لقب بـ”حسان الهند”. خلّف وراءه عدة مؤلفات قيمة، منها السبعة السيارة، وهي مجموعة من الدواوين الشعرية ولغتها العربية. في هذه القصائد نظم الشعر في موضوعات شتى، وأغراض متنوعة من المدح والحب والغزل والوصف والرثاء، ولكن الغزل والمدح يسودان في معظم دواوينه الشعرية.
موضوعات متناولة:
تناول البلغرامي في قصائده عدداً من موضوعات السيرة النبوية، وقد عرضها بأسلوب شعري يجمع بين صدق العاطفة وجمال التعبير، ومن أبرز هذه الموضوعات ما يلي:
حديث نبع الماء من أصابعه الشريفة:
ولو لا نورُه الأعلى مقاماً لَمَا ظهرتْ خفيّاتُ الشُّيونِ
لقد فاضتْ أصابعُه زُلالاً رويّاً فارْتوتْ غُلَلَ العُطون)[7](
زُلالا: ماءً صافيا عذباً. رويّاً: كثير الإرواء. غُلَلَ: جمع “غُلَّة”، وهي شدّة العطش. العُطون: الإبل أو الدوابّ الواردة إلى الماء. يرى الشاعر أنّ نور النبي ﷺ، لعلو مقامه وسمو منزلته كان سببًا في إظهار الحقائق وكشف الأمور الخفيّة، فلولا هذا النور الربّاني لبقيت كثيرٌ من الشؤون مخفية لا يعرف الناس حقيقتها. ثم يشير إلى معجزة نبع الماء من بين أصابعه، فيقول إن الماء الصافي العذب قد فاض من أنامله الشريفة حتى ارتوى العطاش وذهب عنهم الظمأ، وفي ذلك دليلٌ عظيم على معجزته الباهرة. وأورد هذه المعجزة الإمام البخاري في صحيحه، فقد أخرج عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: “لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حضرت صلاة العصر، وليس معنا ماء غير فَضْلَةٍ، فجعل في إناء فأتى به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأدخل يده فيه، وفرّج أصابعه، وقال: حيَّ هَلاً على الوضوء، والبركة من الله، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس وشربوا، وكنا ألفاً وأربعمائة”)[8](.
مكانة المسجد النبوي، وشرف روضته الشريفة:
يا مسجداً رَحْبَ المكانِ صلوتُه ألفُ الصّلَواتِ لمعشرِ الحُنَفاءِ
خيرُ المساجدِ والمقيمُ بجنبِه خيرُ الخلائقِ أسوةُ الكمَلاءِ
أعظِمْ بمنبرِه الذي هو فوقَ تُرْ عةِ جنةٍ حقاً بغيرِ مِرَاءِ
ما شأنُ كرسيّ أُعِدَّتْ تحتَه الجنّةُ الفردوسُ للسّعَداءِ)[9](
يتحدث الشاعر عن مكانة المسجد النبوي واصفا أنه رحب المكان وعظيم المنزلة، تتنزل فيها أنوار ربانية، ويبيّن أن الصلاة فيه تضاعف أجرها حتى تعدل ألف صلاة فيما سواه، وقد رواه الشيخان: “صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام”)[10]( مما يدلّ على خصوصية هذا الموضع وشرفه. ثم يشير إلى أن أشرف الخلق ﷺ مقيم بجواره، وبذلك يكتسب المسجد شرفا أعظم لاقترانه بصاحب الرسالة. ثم يصف منبره الشريف وهو منبر ذو شأن موضحا أن هذا الموضع ليس مكانا عاديا، بل هو موطنُ رحمةٍ وسعادة، يفوز به من حظي بالحضور فيه. وقد ورد فيه من فضائل ما رواه الشيخان في البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي”([11]).
ما أحسنَ القبرَ الذي في حِجره خيرُ البَريَّةِ سيّدُ الْبَطْحاءِ
طُوبى لِطَيبةَ حيثُ ضَمَّ ضريحُها جسماً تسنَّمَ فوقَ سبعِ سماءِ
ويقول عن بقيع الغرقد وفضيلة مزار سيدنا حمزة رضي الله عنه:
بقيعُها بقعةٌ عظمى مباركةٌ طوبى لمن زارَ ما فيها من القُبَبِ
تعظيمُ حمزةَ أمرٌ واجبٌ فلذا يُزارُ مشهدُه المعطارُ في رجبِ
وحَسبُها أنَّ خيرَ الناس شرَّفَها تدومُ ممطورةً مِن أَهمَلِ السُّحُبِ)[12](
يصف قبرَ النبيﷺ أحسنَ قبر على وجه الأرض؛ لأنه احتضن أشرف الخلق ﷺ ألا وهو سيّد البطحاء، ثم يهنّئ طيبة أي المدينة المنوّرة؛ لأنها تتشرف بجسدٍ علا فوق السماوات السبع، بل أُعدّت الجنة تحت كرسيه، ثم يواصل الحديث واصفاً بقيع الغرقد مقبرة أهل المدينة، يصفها بأنها بقعة عظيمة مباركة، وكم من سعادة لها حيث احتضنت خيرة الرجال والنساء من آل بيت النبي ﷺ والصحابة الكرام، ثم يقول إن تعظيم حمزة بن عبد المطلب-رضي الله عنه- عمّ النبي ﷺ أمر واجب، ولذا يُزار مشهده المبارك دائماً وخاصة في شهر رجب.
بشائر عند ولادته صلى الله عليه وسلم:
يبين البلغرامي فيها بشائر عظيمة، قد حدثت ولادته الشريفة حدثاً كونياً غيّر مجرى التاريخ، وأعلن بدايةَ عهد جديد للبشرية. يقول:
كذلك تمزيقُ كسرى من خوارقِه وما مضى مثلُه من شقِّ إيوانِ
فاضتْ عيونٌ لطافٌ من أصابعِه غاضتْ بُحيرةُ أرضٍ ذاتُ طغيانِ
لأنتَ أطفيتَ نارَ الفرس موقَدةً وأنتَ أوريتَ نارَ الوجد في كبدي)[13](
لما وُلد رسول الله ﷺ ارتجّ إيوانُ كسرى، وسقطتْ منه أربعَ عشرةَ شرفةً، وجفّتْ بحيرةُ ساوة، وخمدتْ نارُ فارس التي لم تكن قد خمدت منذ ألفِ عام، فكانت هذه الحوادث بشارات عظيمة عند ميلاده الشريف. وهذه الأبيات تحمل عدة صور أدبية من الطباق، والمقابلة، والاستعارة، والقصر، والمجاز العقلي وغيرها من التشخيص والتجسيم. فلننظر إلى محاسن البيت الثالث، مثلا: الطباق بين إطفاء النار وإيرائها، ومعنى الإيراء إشعال النار، وكما هو معلوم أن الطباق بمعنى الضد والتضاد، والتضاد يقوي المعنى ويوضّحه، ونار الفرس بمعنى الحقيقي، ونار الوجد بمعنى المجازي، شبه شدة الشوق والتهاب الغرام بالنار الحقيقية في حرقة القلب، وهذا من قبيل تجسيم المعاني. وهنا المجاز العقلي في كلمة “أطفيت النار” إسناد فعل الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم أنظر إلى “في كبدي” شبه الكبد بالموضع والأشياء التي تشتعل بها النار، وهذا يشير إلى أن قلبه واصل إلى قمة الحرقة شوقاً. وتكرار “أنت” في الشطرين للحصر مستخدماً أداة القصر بمعنى أنك يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم، أنتَ الذي أطفيتَ وأوريتَ لا غيرك، وجاء بالكلام “أوريتَ نار الوجد” مقابلةً بالكلام “أطفيتَ نار الفرس”، فيه إشارة لطيفة إلى أن شوق الحب في قلبه منذ زمن بعيد المدى، كأن امتداده مثل امتداد توقد نار الفرس منذ ألف عام. وهذه مقابلة بين الشطرين المتضادين في المعنى. هكذا ينظم أحداث السيرة في أسلوب رشيق لطيف.
الإسراء والمعراج:
قد أخذ حديث الإسراء والمعراج قسطاً كبيراً في قصائد البلغرامي رحمه الله بأسلوب رشيق أنيق، والقارئ يجدها مبسوطة بأساليب متعددة وتعابير رائقة، وإليكم بعض الأبيات: يقول البلغرامي في هذه القضية:
شمسٌ تجلّت غير أنّ مسيرَها فوقَ الطرائقِ ليلةَ الإسراءِ)[14](
ولا غروَ إن جازَ السماءَ بجسمه هل الجوهرُ الشفّافُ للنورِ مانعُ)[15](
قد ارتقى في السماء حقاً وحلَّ بالمنزل الرَّحيبِ)[16](
سرى ليلا إلى فلكٍ محيطٍ ونوّرَ سُوحَ يثربَ بالسُّكونِ)[17](
ونلحظ في هذه الأبيات أن الشاعر آزاد البلغرامي لم يسردها مجرد سرح، بل فيها قوة الأساليب، ودقة المعاني، ورسوخ الاعتقاد، وإزالة الإشكال بأسلوب منطقي سليم. مثلاً لو أمعنا في البيت الأول وجدنا أنه يشبه رسول صلى الله عليه وسلم بالشمس في الإضاءة والإشراق، فالشمس يضيئ الكون والطريق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينوّر القلوب والأذهان لتنال البشرية من المجد والشرف والسعادة الأبدية، ولم يكتف الشاعر بهذا القدر من المعنى، بل أضاف أن للنبي صلى الله عليه وسلم مكانةً وجاهاً عند الله تعالى، لا يدانيها أحد، وأن الكوكبة الشمسية لها مسار محدود مخصوص ولا تتجاوزه، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يسير فوق الطرائق، ووراء العقل والخيال. وفي البيت -ولا غرْوَ إن جاز السماءَ بجسمه …هل الجوهر الشفّاف للنورِ مانعُ- يقرّر تلك العقيدة التي ذهب إليها جمهور العلماء أن المعراج كان بالروح والجسد معاً، وليس في هذا أي استغراب، وأدنى استحالة، لأنه نور، وليس للنور مانع. والسر في التشبيه بالنور ربما يشير إلى الحديث الذي “أخرجه أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية. أن رسول الله ﷺ قال: “إني عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، إني دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين، وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نوراً أضاء له قصور الشام”،قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم”)[18](.
حادثة شق القمر:
أشارَ فانشقَ صدرُ البدر مؤتمراً والالتيامُ لعمري خارقٌ ثاني)[19](
لا ضيرَ إن شقَ صدرَ البدر معجزةً كفا محيّاه فينا كاشفَ الظُّلَم)[20](
إن انشقاق القمر لم يحدث لغير نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو من أمهات معجزاته، وكان عليه إجماع من المفسرين وأهل السنة، لما كذّب كفارُ قريش النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ولم يصدّقوه فيما جاء به، فطلبوا منه الدليل على صدقه، فأعطاه الله هذه الآية العظمى تأييداً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وتصديقا لما أرسله به عزوجل)[21](. ورواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:”انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا “)[22](.
وفي البيت الثاني يزيل الاستغرابَ عن الناس الذين يتحيرون ويتعجبون بالشق قائلاً: لما كان وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم كاشفَ الظلم أي هو نير مشرق جميل، وبإشراق وجهه الشريف يكشف الظلام، فلا سبيل إلى الاستغراب في انشقاق القمر، ولا مجال للحيرة.
عاقبة أبي لهب وامرأته:
كان أبو لهب شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقف دائماً ضده حتى أدت عداوته إلى هلاكه، في رواية أن أبا لهب أخذ حجرا ليرمي به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاول أن يقضي على الرسول صلى الله عليه وسلم بالحجر، وانصرف الناس من حول الرسول صلى الله عليه وسلم، وتركوه في موقفه وحيداً، ونزل عليه جبريل عليه السلام، يقول الله تعالى:{تبت يدا أبي لهبٍ وتبّ})[23](،ولم يكتف أبو لهب بعداوته الفردية والشخصية للرسول صلى الله عليه وسلم، بل كانت امرأته أشد عداوة، وتقف بجنبه، وتحرض الناس على العناد للنبي صلى الله عليه وسلم، بل أصبحت من أعدى الأعداء، ولهذا السبب وصفها القرآن الكريم ب “حمالة الحطب“، والبيتان التاليان يشيران إلى هذه الآية الكريمة، يذكر الشاعر عناية النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته التي عمت الخلق أجمع، وهذا أعدى الأعداء للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه يكتسب الآن الفيض المحمدي بعد موته، وكيف به من رضي بالله ورسوله وتبع شريعته!؟
نال العِدى فيضُه إن رمتَ بيّنةً فإصبع ذات عتق من أبي لهب
ساءتْ عواقبُ من عادى النبي نعم أي اللظى صليت حمالة الحطب)[24](
ولو لا نوره الأعلى مقاما لما ظهَرتْ خفيّاتُ الشيون)[25](
اقتفى آدمُ إياه نعم سبق الأولَ إيجادُ أخير)[26](
يقول الشيخ زيني دحلان رحمه الله: “يروى من طرق شتى أن الله تعالى لما خلق آدم عليه السلام ألهمه الله أن قال: يارب! لم كنيتني أبا محمد؟ قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه، فرأى نور محمد في سرادق العرش، فقال: يا رب! ما هذا النور؟ قال: هذا النور نور نبي من ذريتك، اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك، ولا خلقت سماءً ولا أرضاً. وروی الحاكم في صحيحه عن عمر -رضي الله عنه- مرفوعاً، أن آدم عليه السلام رأى اسمَ محمدٍ مكتوباً بأعلى العرش، وأن الله تعالى قال لآدم عليه السلام: لولا محمد ما خلقتك”)[27](.
خلاصة القول: يتبيّن من خلال هذا البحث أن الشيخ آزاد البلغرامي قد تناول موضوعات متعددة من السيرة النبوية جامعا بين صدق المحبة وجمال التعبير كالبشائر عند مولده الشريف والمعجزات من الإسراء والمعراج وشق القمر وفضائل الأماكن المقدسة وما إلى ذلك من قضايا. وقد عرضها البلغرامي بأساليب متعددة شيقة، مستنداً في ذلك إلى نصوص صحيحة من القرآن والحديث، مُضيفاً عليها روحا وجدانية مؤثرة.
الحواشي:
[1] باحث الدكتوراه بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة، مولانا آزاد الوطنية الأردية، حيدرآباد، الهند.
[1]. جميل أحمد، حركة التأليف باللغة العربية في الإقليم الشمالي الهندي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد للقومي، 1977، ص: 130.
[2]. محمد أبو زهرة، محمد أحمد مصطفى أحمد، الإمام زيد حياته وعصره، آراؤه وفقهه، مدينة نصر – القاهرة، دار الفكر العربي، 1425ه – 2005م، ص: 25.
[3] . البلجرامي، غلام علي آزاد الحسيني الواسطي، سبحة المرجان في آثار هندستان،مومبائي – الهند، الميرزا محمد الشيرازي، 1303ه، ص: 118.
[4]. اللكنوي، عبد الحي بن فخر الدين الحسني ،الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى [نزهة الخواطر و بهجة المسامع والنواظر]، الطبعة الأولى، بيروت – لبنان، دار ابن حزم، 1420-1999،ص771.
[5]. الجائسي، سيد عليم أشرف، فصول في التعريف بالهند العربية الإسلامية، الطبعة الأولى، رائي بريلي – الهند، دار العلوم جائس، ١٤٢٤ھ – ٢٠٠٣م، ص 279-280.
[6]. نزهة الخواطر و بهجة المسامع والنواظر، ص: 771. فصول في التعريف بالهند العربية الإسلامية، ص: 280.
[7]. السبعة السيارة (الديوان الأول)، ص: 22.
[8]. السيوطي، جلال الدين الدين عبد الرحمن أبي بكر، كفاية الطالب اللبيب في خصائص الحبيب المعروف بـ “الخصائص الكبرى”، بيروت – لبنان، دار الكتب العلمية، دون تاريخ، ص: 2/67.
[9]. السبعة السيارة (الديوان الأول)، ص: 3.
[10]. الزبيدي، زين الدين أحمد، مختصر صحيح البخاري، (المرجع السابق)،ص: 189.
[11] البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح للبخاري، الطبعة الأولى، شام – بيروت، دار ابن كثير، 1423ه – 2002 م، رقم الحديث: ١١٩٦، باب فضل ما بين القبر والمنبر، ص:288.
[12]. السبعة السيارة (الديوان الأول)، ص: 4.
[13]. المرجع السابق، ص: 21 و 7.
[14]. المرجع السابق، ص: 2.
[15]. المرجع السابق، ص: 3.
[16]. المرجع السابق، ص: 5.
[17]. المرجع السابق، ص: 22.
[18].القسطلاني، أحمد بن محمد القسطلاني، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، الطبعة الأولى، بيروت- لبنان، دار الكتب العلمية، ١٤١٦ھ – ١٩٩٦ م، شرح وتعليق: مأمون بن محي الدين الجنّان، ص: 1/67.
[19]. السبعة السيارة (الديوان الأول)، ص: 21.
[20]. المرجع السابق، ص: 19.
[21]. المرجع السابق، ص: 2/206 ملتقطا.
[22]. الزبيدي، زين الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، مختصر صحيح البخاري والمسمى التجريد الصريح لآحاديث الجامع الصحيح، الطبعة السادسة، بيروت–لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع،1433ه-2012م، ص: 437.
[23]. سورة المسد: 1
[24]. السبعة السيارة (الديوان الأول)، ص: 4.
[25]. المرجع السابق، ص: 23.
[26]. المرجع السابق، ص: 11.
[27]. دحلان، أحمد بن زيني، السيرة النبوية، الطبعة الأولى، حلب- سوريا، دار القلم، 1417 ه – 1996 م، ص: 1/15.
———————————————
المصادر والمراجع:
- البلجرامي، غلام علي آزاد الحسيني الواسطي، سبحة المرجان في آثار هندستان، مومبائي – الهند، الميرزا محمد الشيرازي، 1303ه.
- البلجرامي، غلام علي آزاد الحسيني الواسطي، سبحة المرجان في آثار هندستان، الطبعة الأولى، بيروت لبنان، دار الرافدين، 2015، التحقيق: سعيد الطريحي.
- البلجرامي، غلام علي آزاد الحسيني الواسطي، الديوان الأول من السبعة السيارة، المخطوطة، مكتبة شبلي النعماني العامة التابعة لدار العلوم ندوة العلماء بلكناؤ من مجموعة النواب صديق حسن خان البهوفالي، رقم التسجيل: 2146، بخط النسخ، بخاتم النواب صديق حسن خان، رقم النسخة 30.
- الزبيدي، زين الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، مختصر صحيح البخاري والمسمى التجريد الصريح لآحاديث الجامع الصحيح، الطبعة السادسة، بيروت–لبنان، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع،1433ه-2012م.
- الجائسي، سيد عليم أشرف، فصول في التعريف بالهند العربية الإسلامية، الطبعة الأولى، رائي بريلي – الهند، دار العلوم جائس، ١٤٢٤ھ – ٢٠٠٣م.
- غلام زرقاني، حسان الهند غلام علي آزاد البلكرامي ومساهمته في إثراء اللغة العربية وآدابها، دهلي، دار الكتاب ٤٢٢ متيا محل، ٢٠٠٤، ص: ٤٦.
- دحلان، أحمد بن زيني دحلان، السيرة النبوية، الطبعة الأولى، حلب- سوريا، دار القلم، 1417 ه – 1996 م.
- القسطلاني، أحمد بن محمد القسطلاني، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، الطبعة الأولى، بيروت- لبنان، دار الكتب العلمية، ١٤١٦ھ – ١٩٩٦ م، شرح وتعليق: مأمون بن محي الدين الجنّان.
- جميل أحمد، حركة التأليف باللغة العربية في الإقليم الشمالي الهندي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد للقومي، ١٩٧٧.
- عبد الحي اللكنوي، عبد الحي بن فخر الدين الحسني ،الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى [نزهة الخواطر و بهجة المسامع والنواظر]، الطبعة الأولى، بيروت – لبنان، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، 1420-1999.
- جهلمي، فقیر محمد، حدائق الحنفية، التحشية: خورشيد أحمد خان، رقم الطبعة غير مذكور، كراتشي – باكستان، مكتبة ربيعة، دون تاريخ.
- محمد أبو زهرة، محمد أحمد مصطفى أحمد، الإمام زيد حياته وعصره، آراؤه وفقهه، مدينة نصر -القاهرة، دار الفكر العربي، 1425ه – 2005م، ص: 25.
Leave a Reply