مدخل:
الشعر العربي في الهند له تاريخ طويل، بدأ تأثيره منذ الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، حيث دخلت الثقافة العربية مع انتشار الإسلام. في العصر المغولي، ازدهر الشعر العربي بفعل تأثير الحكام المغول الذين كانوا يعنون بالفنون والآداب، وكان الشعراء يعبرون عن أفكارهم الدينية والسياسية بالعربية والفارسية. وقد أبدع الشعراء مثل أمير خسرو، الذي كان له تأثير كبير في الجمع بين الثقافتين العربية والفارسية، مما ساهم في نشر الشعر العربي في الأوساط الهندية. في العصر الحديث، وعلى الرغم من تأثير الاستعمار البريطاني الذي أثر سلبًا على اللغة والثقافة العربية، ظل الشعر العربي حاضرًا في الأوساط الأكاديمية والدينية في الهند. اليوم، يكتب العديد من الشعراء الهنود بالعربية، مما يعكس تأثير الشعر العربي على الأدب الهندي. كما أن الشعر العربي في الهند يستمر في التأثير على الأجيال الجديدة، ويعد جزءًا من التراث الثقافي الذي يربط بين الهند والعالم العربي.
قرض الشعر هو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى استخدام الشاعر أبياتًا أو عبارات مأخوذة من شعر شاعر آخر، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. قد يحدث هذا القرض في عدة سياقات، منها أن يستلهم الشاعر بعض الأفكار أو الألفاظ من أعمال سابقة ليبني عليها نصه الخاص. قد يتضمن قرض الشعر اقتباسًا حرفيًا أو تعديلات بسيطة على الأبيات الأصلية بما يتناسب مع رؤيته أو أسلوبه الشعري. هناك نوعان رئيسيان من قرض الشعر: الأول هو القرض الفني أو الأدبي، حيث يقوم الشاعر بتقليد أسلوب أو موضوعات معينة لشاعر آخر، مثل استلهام الصور البلاغية أو الأغراض الشعرية. أما النوع الثاني فهو القرض اللغوي، حيث يستعير الشاعر المفردات أو التعبيرات الشعرية المميزة التي يستخدمها شاعر آخر، مما يظهر تأثيرًا غير مباشر في أسلوبه. في الأدب العربي، يعتبر قرض الشعر ظاهرة شائعة بين الشعراء، وهو يعكس عملية التفاعل الأدبي بين الأجيال المختلفة ويعزز التواصل الثقافي والشعري على مر العصور. فهذه الدراسة تسلط الضوء على الأستاذ حبيب الرحمن العثماني وعبقريته في قرض الشعر.
الكلمات المفتاحية: حبيب الرحمن ، العثماني ، عبقرية، قرض الشعر
أهداف البحث:
تستهدف هذه الدراسة إلى الأهداف الآتية:
- يهدف البحث إلى تحليل كيفية تأثير قرض الشعر في تطوير أسلوب الشاعر حبيب الرحمن العثماني، وتبيان كيفية استفادته من الأبيات الشعرية الأخرى لتشكيل قصائده المميزة.
- يسعى البحث إلى فحص الموضوعات الشعرية التي تناولها الشيخ حبيب الرحمن العثماني في أعماله، مثل الحمد والمناجاة والمديح النبوي والرثاء، وكيفية تكاملها مع تقنيات قرض الشعر.
- يهدف البحث إلى دراسة أسلوب العثماني في استخدام اللغة العربية في قرض الشعر، من خلال فحص جودة أسلوبه البلاغي واللغوي مقارنة بشعراء آخرين في العصرين الجاهلي والإسلامي.
نظرة خاطفة عن ترجمة الشيخ العلامة حبيب الرحمن:
ولد الشيخ العلامة حبيب الرحمن بن فضل الرحمن العثمانى الديوبندى فى مدينة ديوبند، حوالى 1275هـ ، ودرس فى الجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة النهائية، وتخرج فيها عام 1300هـ/1883م، ثم عين نائب رئيس جامعة دار العلوم في 1907م نظرًا إلى مهارته في الشؤون الإدارية، ثم سافر إلى “حيدر آباد” سنة 1925م حيث شغل منصب الإفتاء، ولم يلبث هناك إلا أقل من سنة حتى رجع إلى ديوبند، حيث عُين مديرًا للجامعة الإسلامية دار العلوم بديوبند بعد وفاة الشيخ الحافظ محمد أحمد في نفس السنة.
ومن حسن حظ أن دار العلوم بديوبند حظيت بخدمات رجل مخلص متبصر في شؤون الإدارة مثل الشيخ حبيب الرحمن العثماني، فله دور كبير في تنمية الدار وتوسيعها فترقت الدار وازدهرت بجهوده المتواصلة، ومما يدل على مدى اعتنائه بالأمور الإدارية لدار العلوم أنه كان يقيم فيها ليلاً ونهارًا. وقد أعطاه الله المواهب الإدارية الخاصة والفهم العميق في الشئون السياسية وإنه إلى جانب مسئولياته الإدارية المتنوعة كان مشغولاً بمطالعة الكتب لحد كبير مما جعله شخصيةً واسعة الاطلاع، وملماً بالأدب وعلم التاريخ، فكان عالماً محدثاً فقيهاً مديرا، قضى حياته كلها في الدرس والإفادة. توفّي العلامة حبيب الرحمن العثماني في 4 رجب من 1348هـ/ 1929م.
الأعمال الأخرى:
وكان للشيخ العلامة مؤلفات بالعربية ولغات أخرى، منها: حاشية مقامات الحريري، وحاشية تفسير الجلالين، ورحمة للعالمين في سيرة النبي، ومنها “إشاعة الإسلام” باللغة الأردية، وهو كتاب يقع في خمس مائة صفحة بالقطع المتوسط. أودعه الواقعات والقصص التي كانت سببا قويا في انتشار الإسلام. ومن مؤلفاته أيضا “تعليمات الإسلام” وهو كتاب قيم كذلك.
أعماله في قرض الشعر:
كان الشيخ حبيب الرحمن العثماني أديباً بارعاً قوي الأسلوب ويعدّ من أكثر علماء الدار قدرةً على نظم الشعر باللغة العربية بأسلوب ممتاز بالسهولة والسلاسة والفصاحة والبراعة والروعة والأصالة اللغوية التي يمتاز بها فحول الشعراء في العصر الجاهلي. فالموضوعات التي تناولها الشاعر في قرض الشعر هي الحمد و المناجات والمديح النبوي والمدح والوعظ والرثاء.
بالنسبة لموضوع الحمد والمناجاة فله قصيدة باسم “دعاء المضطر” وهي تشتمل على 121 بيتا، وأما فيما يتعلق بالمديح النبوي فله قصيدتان: الأولى منها “لامية المعجزات”، وهذه القصيدة تتألف من121 بيتا والثانية: “بائية المعجزات”، وهي تحتوي على 198 بيتاً. وأما ما يتعلق بالرثاء فله أربع مراثي بالتفصيل الآتي:
- مرثية على وفاة الشيخ أحمد حسن الأمروهوي تشتمل على 11 بيتا.
- مرثية على وفاة الشيخ عبد الرحيم الراي بوري تحتوي على 65 شعرا.
- مرثيتان على وفاة المولوي عبد الباقر خان وهو من وجهاء حيدرآباد، وهما تشتملان على 23 و30 بيتا على وجه الترتيب.
- مرثية على وفاة الشيخ الأستاذ غلام رسول المدرس بدار العلوم سابقا وهذه المرثية تحتوي على عشرين شعرا[i].
وله ديوان مطبوع باسم “معين اللبيب في جمع قصائد الحبيب” وقصيدة أخلاقية مناجية ومجموع قصائد وقطعات تاريخ الوفاة. وفيما يلي أبيات مختارة من تلك القصائد التي قالها الشيخ العثماني في الموضوعات المختلفة لنتعرف من خلالها على قدرته الموفورة الفائقة في قرض الشعر.
دعاء المضطر:
قرض الشيخ حبيب الرحمن العثماني قصيدة بعنوان “دعاء المضطر” في موضوع الحمد والمناجاة، وكانت هذه الأبيات على منوال قصيدة البردة الميمونة، وفى هذه القصيدة نفس الفصاحة والبلاغة والروعة والمتانة والأصالة اللغوية التي يمتاز بها أسلوب فحول الشعراء الجاهليين، هذه الجزالة والمتانة والنصاعة في أسلوبه قد كسبت لهذه القصيدة مكانةً عاليةً بين قصائد المدائح النبوية الأخرى، بدأها الشاعر بقوله[ii]:
دعا ودعا مـــــــــــــــــــــريم الظباء وأودعا بدور الحمى في الــحي رهنًا مــضينًا
وسمــــــــرًا وسمـــــــــــــــارًا ولحظاً وصـــــــــبوةً وربعًا خلاء دارس الرسم أقرعـــــــــا
وهجرًا وـصرمــــــــــا واصطبارًا وسلـــــــــوةً دنانا وخمارا وراحا معشــــــــــعشــــــــــــا
وحـــــــورًا وعــــيـــــنــــــًا يـــــــستلــــــــذ عنـــــــاقـــــها وتعرض للتقبيل خدًا ممنـــــــــعـــــــــــــــا
فكم أنــــــدب النـــــــفس التي لا أخـــــــالـــها تجيب نصيحا أو تحاول منزعـــــا
وكم أتلظى جمرة من شقائها وكم أترجى أن تنيب وترجعا
اتاك الا هي خائف متضرع بئيس كسير القلب ولهان موجعا
ومعترف أني خلطت بصالح ذنوبا هوت منها الجبال تصدعا
اتيتك والغبراء ضاق نطاقها على وشق الهم صدرا واضلعا
ولطفك سواني ولطفك صاغني بأحسن تقويم سويا مرعرعا
ولطفك في صلب الجدود احاط بي ولطفك رباني جنينا ومرضعا
ولطفك أعطاني بهدى محمد سبيلا نقيا واضحا ثم منجعا
قصائده الأخلاقية المناجية:
وله قصيدة أخلاقية مناجية مسماة بـ “حكمة الشعر”، تتألف من واحد وسبعين بيتاً، توجد فيها عشرين صنعة لفظية ومعنوية بيّنها الشيخ “محمد إعزاز علي” في مقدمته على تلك القصائد[iii]، ومنها يقول:
لا تيأسن إن يصبـــك ضراء ففي غد يعقب الضراء سراء
الدهر ذو غير والناس في عبر والحـال منقلب بؤس ونعماء
بينا ينوبك أهــوال تــزول بها شم الجبال ورضت منــه صماء
فاختر لنفسك ما يرضى الإله به في حـالتيك ولا يقلقــك ارزاء
المديح النبوي:
وللشيخ حبيب الرحمن قصيدة طويلة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم معروفة بـ”بائية المعجزات” وهذه القصيدة تحتوي على مائة وثمانين وتسعين بيتاً[iv]، وقد جمع الشاعر فيها مائة معجزة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى ما ذكرها في قصيدته المعروفة “لامية المعجزات” التي سيأتي ذكرها فيما بعد.
بائية المعجزات:
وهذه القصيدة “بائية المعجزات” تدل على قدرة الشيخ الموفورة على نظم القصائد بأسلوب فحول الشعراء المتقدمين من العرب ، وفى مستهل القصيدة يقول:
قد كنت أمليت من آياته مائة يزيدك الحب والإيقان والقربا
فالآن لما رأيت الطالبين لها زادوا غراما وراموا فوقها الرتبا
جمعت فى النظم من إعجازه مائة أخرى على ما تراها صفوة نخبا
جواهر نضدت در منظمة علق نفيس يريك الدر مخشلبا
أوصى لعثمان لا تخلع إذا سألوا ما قمص الله من ثوب العلا وحبا
أوصى عليا قتال الناكثين له والقاسطين إذا ما أحدثوا شغبا
وإذارأوه يصلي الصبح واستمعوا بذات نخلة قرآنا قضوا عجبا
ويوم بدر نعاس الأمن أدركهم مال الرؤس به فاستيقضوا الغلبا
وإذ يقلل جمع المشركين به فى عينهم ليظنوا الفتح مقتربا
وأنزل الله جندًا من ملائكه مسومين يحزون الطلى نوبا
وفيها يقول:
وكان عين أبى ذر أصيب بها أصبحت لا تراها تشتكى وصبا
وقال لبغلة الشهباء التزقى بالأرض فالتزمت سمعا لما ندبا
وجفنة الركب جاءوا يحملون بها ليفرغ الماء فيها اذا وعا الشجبا
وكان يدعو ففارت من أصابعه عين تجيش فلم تترك لهم أربا
وماسها بعد بسط الثوب حين دعا أبو هريرة في شيئ ولا اضطرابا
ومصعب إذ قضى أعلى اللواء له في زيه ملك يدعي به لقبا
هكذا يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معجزاته الباهرة اللامعة واحدةً بعد أخرى إلى نهاية القصيدة ، وهذه القصيدة أيضاً من إحدى قصائد الشاعر الرائعة الجميلة في باب المديح النبوي، وهي تشتمل على معاني الحب العالية، وتمتاز بأسلوب سلس فصيح رائع ناصع، فأبياتها كاللؤلؤ التي نشرت على الأوراق وكلماتها كالدرر الثمينة التى نظمت في سلك.
لامية المعجزات:
ومن أشهر قصائد الشيخ العثماني وأروعها قصيدته المعروفة بـ”لامية المعجزات” وفي مقدمتها يقول العثماني: “وأن من حفظها وعاها يحيط علماً بمعجزات كثيرة لم يقرع سمعه ولا يمكن الوصول إليها إلا بشق الأنفس فى مطالعة الكتب التي صنفت فى هذا الباب وأن ذلك أمر لا يتيسر لكل أحد بسهولة وفي كل حين”. وهي من أطول قصائده وقد جمع فيها الشاعر مائة معجزة للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما اعترف به الشاعر نفسه قائلاً: “اقتصرت منها في هذه القصيدة على مائة معجزة وسميتها مائة معجزة ولقبتها بلامية المعجزات، وجعلتها أنواعاً ووضعت في كل نوع معجزات ذلك النوع”[v].
وهذه القصيدة تشتمل على385 بيت، خصص الشاعر أبياتها الأولى لخطاب النفس وتنبيهها على غفلاتها ثم وصف بعض الشمائل النبوية وخصائلها وما كان حال الدنيا قبل مبعثه وما آل إليه بعد البعثة النبوية، وفي 190 شعرا بين معجزات الرسول بالتفصيل وقسمها إلى 17 قسماً، واختتم القصيدة بـ12 شعراً حث فيها على حفظ معجزاته صلى الله عليه وسلم. ومما لاشك فيه أن هذه القصيدة الطويلة هى أكبر دليل على ما كان لديه من قدرة غير عادية لنظم الشعر والتنوع فى المضامين بأسلوب يمتاز بسهولة البيان وفصاحة اللسان. يبدأ الشاعر هذه القصيدة بخطاب النفس وتنبيهها على هفواتها وغفلاتها وتورطها في ورطات الغواية وغمراتها وإيقاظها عن عماياتها قائلاً:
أيها المختال فى ثوب الأمل والمباهي بطراز في الحلل
والمجارى فى ميادين الخلا قد دنت منك مرات الأجل
أنت فى تيه العمى تبغى المنى والمنايا كشرت ناب الوجل
أنت فى لهو وزهو تجتني من ثمار موبقات من أكل
ثم يتطرق الشاعر إلى الالتجاء إلى سيد الكونين والثقلين وشفيع المذنبين مأوى اليتامى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتوسل به قائلاً:
ماله من ملجأ أو موئل غير باب السيد المولى الأجل
سيد السادات فخر الأنبياء مكمل التوحيد محاء الملل
ثم يذكر بعض شمائله ومناقبه وأوصافه وكمالاته صلى الله عليه وسلم بقوله:
سيد الكونين مصباح الدجى أول المخلوق فى علم الأزل
وجهه كالبدر أو شمس الضحى صدره مشكوة أنوار الرسل
منهل عذب فرات سائغ جوده المروى بنهل وعلل
ثم يذكر حال الدنيا قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم وما فيه الناس من عموم الضلال وشمول المقت والسخط، ويتحدث عن أنوار الهداية بعد بعثته صلى الله عليه وسلم وعمومها، وعن المعجزات والآيات التي ظهرت في تبليغ الرسالة، وأن معجزاته صلى الله عليه وسلم زادت على معجزات جميع الأنبياء عددًا ورتبةً وأنه أوتي منها ما لم يؤت أحد، ويقص لنا معجزاته في ملكوت السماوات من انشقاق القمر ورد الشمس ووقوفها قائلاً:
وعلى إيمائه انشق القمر شاهدوا ما بين فرقيه الجبل
ردت الشمس وكانت قد هوت فأجابت إذ دعاها تتقبل
ثم يتحدث الشاعر عن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في الجمادات، والحيوانات، وتكلم الحيوانات وشهاداتها بالرسالة والتبليغ، وفي إحياء الموتى، وفي عدم إحراق النار، وفي إضاءة السوط والعصا والأصابع واستنارة الوجه وغيرها، ومعجزاته في حفظه عن كيد الكفار وإيذائهم قبل الهجرة، وفي طريق الهجرة وبعد الهجرة قائلاً:
سبح الله بأيديه الحصى فوعاه من هناك وعقل
سلمت أحجار واد اذة رأت يا نبي الله قالت تستهل
تبتغى المرضاة أشجار الفلا فتحي كسلام المبتهل
تسرع البدن تحب كلها أن يضحى أولا أو يعتقل
واستغاثت ظبية قد شدها حابل رام اقتناصا فاحتبل
من مصاب الهجر حزن وخبل بعد إرضاعي لخشف منخزل
حن جذع النخل إذ حل به يا نبي الله أطلقني أعد
كم أتى من أن ناراً أججت لصحابة فتصلى أو تمل
لم تؤثر بل وصارت روضة ذات برد وسلام واكل
وطفيل إذ سرى فى ظلمة صار ذا نور بسوط مشتعل
وانتدوا للمكر فارتاءت له ثلة من كل مقدام بطل
أعميت أبصارهم لما أتوا غار ثور في شقاء ودغل[vi]
ويستدرج الشاعر إلى ذكر معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم الأخرى مثل معجزاته في الحفظ عن كيد الكفار بعد الهجرة، و معجزاته في ركانة الذي لم يظهر أحد عليه في المصارعة، و معجزاته في من كان يؤذيه و معجزاته في إبراء المرضى وذوي العاهات و معجزاته في بركة الطعام والشراب، وفي إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم وفي اخبار الغيوب والكوائن بعده صلى الله عليه وسلم ، فيقول:
اربدا اومى لقتل عامر غيلة إذ بالكلام يشتغل
فحمى الله وحيل عامر ضل مسعى ذلك النذل الفسل
و ركانة أتى حربا له مالمرء فى صراعه قبل
وامتلأ رعبا أبو جهل به وقضى مستعجلا دين الإبل
وذووا العاهات ابراجمعهم إذ دعا أو مس عضوا قد بطل
ودعا جمعا من أهل صفة كابدوا واتخذوا الليل جمل
وابن عوف بوركت صفقاته يستفيد الربح لو تربا أقل
كم غيوبا بعده أنبابها تحتوي البشرى وأنباء الوهل
وفي نهاية القصيدة يحث الشاعر على حفظ المعجزات المذكورة في هذه القصيدة، ويطلب الدعاء لنفسه، ويصلي ويسلم على خير البشر شفيع المذنبين صلى الله عليه وسلم بقوله:
هذه آياته أمليتها من ألوف المعجزات انتحل
مائة خذها وإما إن ترد أن تزيد فانظر الكتب تنل
خذوا علقها واتقن حفظها تاليا عند الغدو والأصل
وصلاة الله أذكاها شذى ثم أنماها نماء متصل
أو سرى في الليل بدر طالع أو بدا نجم لأبناء السبل
أو يناجي الله عبد خاضع أو دعا لله داع وابتهل
تنزل دوما على خير الورى مبدأ الكل غياث المرتمل[vii]
لا شك في أن هذه القصيدة تحتل مكانةً لائقةً في حسن السبك والنسيج، وبديع الانسجام والصوغ، ونصاعة الألفاظ، وفصاحة الكلمات، وسلاسة العبارة. وتدل دلالةً واضحةً على سمو مكانة الشيخ العثماني وعلو مرتبته بين الشعراء الهنود الذين أنشدوا في المديح النبوي، وهي تجعله فريدًا ممتازًا فيما بينهم لحسنها وجمالها وقوي أسلوبها وروعة تعبيراتها، وهذه القصيدة الغراء مثل قصائده الأخرى في المديح النبوي لخير دليل على تضلعه من قرض الشعر وقدرته الفائقة على اللغة العربية، وأساليبها المتنوعة، وتعبيراتها الجيدة المختلفة، واستخدام الكلمات المناسبة والمفردات الملائمة حسب اقتضاء المضامين.
هذه القصائد تبدي لنا صورةً واضحةً للأهداف النبيلة والأغراض الهادفة البناءة، التي لأجلها خاض الشاعر هذا المضمار، وغاض في بحور الأبيات؛ لينثرلآلي بين يدى القارئ. ولقافية القصيدة ورويها تأثير خاص في إيقاع أوتار القلوب، وإيقاظ الوجدان، وترقيق الشعور، وتفتيق القريحة، وتصفية الخيال. يبدو لنا أن الشاعر قد نظم لؤلؤًا، وحاك ديباجاً، ونسج حريراً، وقدم لنا باقة الأزهار الأنيقة الجميلة، من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم وميزاته النيرة، وأخلاقه الزاهرة، وأعماله الصالحة، بالإشارة إلى الشمائل النبوية بأنقى تحبير، وأوفى تعبير، وهذه القصائد تسكن الأكباد الهائمة المقروحة المتعطشة، وترسخ أسس الحياة التي لايمكن أن تحيي الأمة الإسلامية بدونها في عزة وكرامة.
إذا رمتــك يد البلوى بــداهيـــة ناد الخليفــــة ظـل الله عثمانــا
الفائض الجود سحا غير مكترث والقاهــر المارقـين اللد طغيـانا
رثاءه:
وفيما يلي أبيات مختارة من بعض مراثي الشيخ حبيب الرحمن العثماني، وإنها تدل على اصالة أسلوبه وقدرته الجيدة على قرض الشعر:
قال وهو يرثي وفاة المولوي عبد الباقر خان:
ما بال عينك كالسحاب الماطر أو ما لقلبك في جناحي طائر
أعراك هم أو نبا بك مضجع أم غال صبرك حادث في غابر
نبأ أتانا أن نحبا قد قضى ذاك النبيل الشهم عبد الباقر
بتنا زمانا في محافل أنسه من بين مستمع وآخر سامع
ترك الأحبة في عناء فادح ومضى لمرضاة الكريم الغافر
اسفى على الأيام كيف تبدلت ضرا وبؤسا بعد عين زاهر
وقال في مرثية على وفاة الشخ الشاه عبد الرحيم الراي بوري:
اهاجك وجدا فالدموع هوامع خلاء الملاهي والديار البلاقع
محت رسمها هوج الرياح وغادرت اثافيها سفعا بروق لوامع
اسائل عنها أهلها فتجيبني خلت عن انيس ليس داع وسامع
تراها وقد كانت بهيجا رواقها مرابع غيد للظباء مراتع
وما مونقات الروض تبسم زهرها وتفتر الا أنهن مصارع
ترى جثوات من تراب تضمنت كراما وقتهم في الحجال البراقع
وقائلة ما بال دمعك طاغيا وما لحجاج العين مجراء واسع
مضى عجلا مستبشرا متهللا كضيف كريم لم ترعه الروائع[viii]
وبعد درس هذه القصائد للشيخ حبيب الرحمن العثماني وتعمق في معانيها ودخول فى أساليبها وتذوق جزالة عباراتها ودقة تعبيراتها ونصاعة ألفاظها يجب علينا أن نعده من فحول الشعراء الهنود الذين يضاهون الشعراء العرب في قرض الأشعار.
المصادر والمراجع:
[1]. أستاذان مساعدان، قسم اللغة العربية، كلية جمال محمد، التابعة لجامعة بهارديداسن، تيروشيرابالى-620020، الهند.
- معين اللبيب فى جمع قصائد الحبيب (ص: 50-67)، مساهمة دار العلوم ديوبند في الأدب العربي (ص: 148)
- معين اللبيب فى جمع قصائد الحبيب (ص: 1 – 7)
- قصيدة أخلاقية مناجية، (ص: 9 – 30)
- معين اللبيب فى جمع قصائد الحبيب (ص: 23)
- مجلة الداعي الصادرة من دار العلوم ديوبند ، العدد : 4 – 5 ، السنة : 35، 2011م
- مجلة الداعي الصادرة من دار العلوم ديوبند ، العدد : 4 – 5 ، السنة : 35، 2011م
- مجلة الداعي الصادرة من دار العلوم ديوبند ، العدد : 4 – 5 ، السنة : 35، 2011م
- مساهمة دار العلوم ديوبند في الأدب العربي، صـ 149.
Leave a Reply