+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

كنزٌ في حقيبة منسيّة
بقلم: د. ثمينة خانم[1]

 (حكاية الحروف التي لا تبلى)

حقيبةٌ صغيرةٌ استقرَّت بين أكوامٍ من الكتب والملفات؛ متواضعةٌ في مظهرها، غالية في جوهرها، إذ تحتضن بين جنباتها نحو خمسين رسالةً، وُضِعتْ هنا بعنايةٍ واهتمامٍ فائقين كما يبدو لكلِّ من وقع نظره عليها. والعديدُ من تلك الرسائل حملتْ على ظهرها رسالةً أخرى مصغَّرة، لا تتجاوز الواحدةُ منها أربعة أسطر أو خمسة، موجَّهةً جميعها إلى حفيدةٍ صغيرةٍ، وتبدأ بنداءٍ عذب: عزيزتي… سلَّمها ربُّها. ولكن، أین وُجدت هذه الحقيبة؟ وما قصتها؟ ها أنا ذا أحكي لكم اليوم قصَّة عثورنا على هذا الكنز المدفون؛ كنز الحبر الذي لا يبلى ولا يفنى، ولو صار كاتبه رميماً في التراب.

فهذه الحقيبة، الصغيرة بحجمها العظيمة بمحتواها، لم تصل إلينا صدفةً، بل وراء العثور عليها قصةٌ مؤلمةٌ تفجع القلوب وتُدمع العيون؛ وهي أنَّه في أعقاب رحيل والدنا الغالي غدا لزاماً علينا أن نُخليَ الغرفة المخصَّصة له من قبل الجامعة التي شغل بها كرسيَّ أستاذية اللغة العربية وآدابها لما يربو على العقدين، فاضطُررنا لنقل مقتنياته من ملفات ومذكرات وكتب ومعاجم وكل ما احتوته تلك الغرفة من كبيرة وصغيرة إلى البيت، ونقلُ تلك الأشياء من هنا إلى هناك لم يكن عملاً عادياً بسيطاً، بل كان بمثابة اجتثاث لجذور ذکریاتٍ غائرة امتدَّتْ لأكثر من عشرين عاماً في ذلك المكان، فمنذ انضمامه للهيئة التدريسية في تسعينيات من القرن الماضي، قد أصبحتْ تلك الغرفة بمنزلة بيتٍ ثانٍ له، حيث يقضي ساعات طوالاً خلال أيام عمله، فاجتمعتْ في أرجائها كل احتياجاته التي يحتاج إليها؛ من شبشب للوضوء، وسجادة للصلاة وغيرها من مقتنيات الحياة اليومية، إضافةً إلى كمٍّ هائلٍ من الكتب والملفات، وهذه النقلة لم تكن هيِّنةً على نفوسنا، لقد جمع -رحمه الله- تلك المقتنيات شيئاً فشيئاً على مدار السنين حسب احتياجه إليها، ووضعها ورتَّبها هنا حسب حاجته وضرورته، ونحن نقلناها نقلةً جماعيةً في غضون أيامٍ معدودةٍ، وكأنَّنا اختزلنا مسيرة ثلاثة وعشرين عاماً في بضعة أيامٍ، وشتَّان ما بين نقله لتلك الأشياء الذي كان ينبض بالحياة، ونقلنا لها الذي حمل في طيَّاته مرارة الفقد إذ جاء إثر رحيلٍ مفاجئٍ لصاحبها الذي انتقل إلى جوار ربِّه، مخلِّفاً إيَّاها على حالها، دون أن يتسنَّى له إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها.

أما المرحلة التالية، فقد اقتضتْ فرز تلك المقتنيات المنتقلة، ولاسيَّما الكتب والملفات، بغرض إعادة تنسيقها بین رفوف الدواليب المتواجدة في المنزل، وهذه المهمة أيضاً لم تكن سهلة ميسورة، فالرفوفُ كانت تضيق بما حملتْ من قبلُ، ولا تكاد تتسع للمزيد، غير أنَّ الكتب والملفات المستقرَّة هنا استقبلتْ أخواتها العائدات قبل أوانهن بحفاوة صامتة، وشاركتْهن المكان قدر استطاعتها، فکلٌّها كانت تتجرَّع مرارة اليتم ذاتها برحيل صاحبها، واستْ بعضُها بعضاً، وبدأن العيش معاً، يذكرن صاحبهن بالخير، ويفتقدن لمسات یده الكريمة، ويدعون له بالرحمة والمغفرة، على حسن معاملته معهن طوال حياته، فقد أنفق من ماله لاقتنائهن، وخصّص لهن مكاناً آمناً في منزله، حيث عِشْنَ بسكينةٍ واطمئنانٍ دون أن يعكِّر صفوهن عابثٌ، أو تنال منهن آفات الكتب والورق.

وعلى أيَّة حال، فقد نُقلت مقتنيات الغرفة إلى البيت، وجلسنا بقلوب حزينة لفرزها، وبينما كنتُ غارقةً في فرز الكتب والملفات والأوراق الأخرى بهدف ترتيبها في الرفوف المختصة لها، كي يسهل الوصول إليها كلما دعت الحاجة إليها، إذ لامستْ يداي حقيبة صغيرة، وهي نفس الحقيبة التي استفتحتُ بها حديثي هذا، وما إن وقع نظري عليها حتى فتحتها لأرى ما بها؟ فإذا بها مجموعة من أوراق بالية ذبل لونها بمرور السنين، وبدافع الفضول أخرجتها، لأرى على ما تحتوي هذه الأوراق؟ فتبيَّن لي أنها رسائل؛ كُتبت إلى والدي في أوقات مختلفة من قبل أبويه ورفيقة دربه وأصدقائه ومعارفه، وكانتْ بعضها مكتوبة على أوراق عادية من الدفاتر المدرسية، والأخرى على ظهور بطاقات البريد التقليدية، فسلَّمْتُ الرسائل الخاصة بوالدتي – رفيقة دربه- إليها، ووضعتُ الرسائل الأخرى في الحقيبة من جديد كما كانتْ.

ثم في يوم من الأيام، غلبني الفضول، فأخرجتُ إحدى الرسائل التي بعث بها جدّي لوالدي، وجلستُ أحاول فكَّ رموز كلماتها بجهدٍ، إذ كانت الحروف قد انمحت على مر السنين، والأوراق هي الأخرى قد صارتْ هشَّةً لمرور الزمن، وتبيَّن لي بعد قراءتها أن كل رسالة عبارة عن “حوار أحادي الجانب”، يسرد فيها الكاتب (جدّي) أحواله بالتفصيل، ويُخبر الطرف الآخر (أبي) بكل ما قد استجدَّ في الأهل والأسرة والأقرباء والجيران من كبار الأمور وصغارها؛ من بشرى مولود جديد إلى مرض قريب أو وفاة عزيز وما إلى ذلك، ثم يسأل والدي عن صحته ووظيفته وأسرته، مطالباً إياه بالرد دون تأخير، ولا غرو في ذلك، فهذه الرسائل تعود لزمنٍ خلتْ فيه الحياة من وسائل التواصل الرقمية كالبريد الإلكتروني والواتساب والفيسبوك والأشكال الأخرى للاتصالات المرئية والمسموعة التي قد طوت المسافة في أيَّامنا هذه، وأزالت الحدود الجغرافية  الحائلة بين القاصي والداني، فاليومَ، بضغطة زرٍّ واحدةٍ، يتواصل شخصان متواجدان في مكانينِ متباعدينِ من العالم بالصوت والصورة في ثوانٍ معدودةٍ، بينما في تلك الحقبة من الزمن، كانت الرسائل الورقية التقليدية هي الوسيلة الأهم والأقوى للتواصل، إذ كانت الجسر الوحيد الذي يمكَّن المتباعدين جغرافياً من الاتصال ببعضها البعض، لللاطلاع على أحوالهما، أو تبادل ما استجدَّ من أخبار وشؤون ضرورية في الأهل والأسرة.

وبينما كنت أقلِّبُ هذه الرسائل، واقرأُ منها ما اقرأُ، ملتقطةً الكلمات والحروف من هنا وهناك، قدرما أتمكن من قراءة خط كاتبها، إذ استوقفني شئيٌ لم يكن في الحسبان، ولم يدر بخلدي قطُّ، إذ رأيتُ أنَّ عديداً من تلك الرسائل قد حملتْ على ظهورها رسائل أخرى مصغَّرة، لا تتجاوز الواحدة منها بضعة أسطرٍ، كانت موجَّهةً جميعها إلى حفيدةٍ صغيرةٍ، وتبدأ بنداءٍ عذبٍ: “عزيزتي… سلَّمها ربُّها”، وقد فهمتُ للتوِّ من المقصودة بهذا النداء الحاني، وما إن انكشف لي سرُّ تلك الرسائل المصغرَّة حتى فاض قلبي غبطةً وحماسةً؛ وكيف لا، وقد عثرتُ على كنزٍ لم أكنْ أحسب أنَّني أملكه منذ سنواتٍ غابرةٍ، أخذتُ  أقلِّبُ جميع الرسائل يمنةً ويسرةً، لأرى كم منها تحمل على ظهورها تلك الرسائل المصغرة، فإذا كانت خمسة أو ستة، فقرأتُها حرفاً حرفاً، وعكفتُ عليها مراراً وتكراراً، كأنّني أسعى لحفظها عن ظهر قلبٍ، وانتابتني حينَها مشاعر متضاربة؛ فرحٌ وحزنٌ في آنٍ معاً: فرحٌ لا تسعه الدنيا، لأنّني كنتُ محطَّ عناية جدّي، وموضعَ حنانه منذ نعومة أظفاري، إذ خصَّني برسائل مستقلّة تناسب سنّي الغضّة، (حيث قدّرتُ من التواريخ المدوّنة على رأس الرسائل أنّني لم أكن قد تجاوزت العاشرة حينها)، وحزنٌ عميق لأنّ كاتب تلك الرسائل ومُستقبلها الأول – جدّي وأبي- قد رحل كلاهما إلى الدار الباقية، ولم يبقَ بيني وبينهما إلا الدعاء صلةً لا تنقطع، أدعو ربّي أن يُمطر على قبريهما شآبيب رحمته، ويجمعهما وإيَّايَ في جنّات النعيم ضاحكينَ مستبشرينَ (آمين). هناك، سأشاطرُ الأوّل – جدّي- ما اعتراني من شجون حين عثرتُ على رسائله الصغيرة تلك، المُصاغة بشكل خاص لي بما يناسب طفولتي، وسأتمكَّن من تقبيل يده التي خطّت تلك السطور الفيّاضة بالحبّ والحنان. وأبثُّ شكوايَ إلى الآخر – أبي- : لِمَ لمْ يُخبرني عن هذه الرسائل؟ ولِمَ لمْ يذكرْ لي يوماً أنَّ ثمَّة رسائل مصغرة من جدي، وصلتْني حينما كنتُ طفلة لا أُحسِن القراءة، وكانتْ تُرسَل ضمناً مع رسائله فاحتفظ بها عنده. يا تُرى! ألم يكنْ جديراً به أن يُطلعني عليها، بعدما كبرتُ، وغدوتُ قادرةً على فكِّ رموز تلك الحروف، واستيعاب ما حملته في ثناياها من معاني الحب والحنان؟؟

                                                                      ***

[1] . محاضرة ضيف، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملّية الإسلامية، نيودلهي، الهند.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of