+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

شجرة الدلب (قصة مترجمة)
للكاتب الإيراني: هوشنغ غلشيري[i]

 قامت بترجمتها: د. بثينة شموس[ii]

 كان الوقت يقترب من غروب الشمس عندما تسلق رجل إحدى أشجار الدلب في الشارع عاقداً يديه ببطء حول الشجرة، ولافّاً ساقيه حولها، زاحفاً على جذعها الجاف والمتعفن بحذاء كان قد تمزق أحد نعليه فيما مضى، وقد بدت على ياقته رقعتان مختلفتان عن لونها بشكل قميء.

التفت الناس الذين كانوا ينظرون إلى المتاجر قُبيل ذلك إليه، وأخذوا يراقبونه وهو يتسلق الشجرة، فأمسكت شابة كان قد بدا ذراعاها النحيلان بيد طفلها الصغير الممتلئ، وأخذت تراقب الرجل وهو يصعد أعلى فأعلى إلى شجرة الدلب، وفكّ شاب طويل ربطة عنقه، وشدّها بإصبعين من يده اليمنى، وحدق في الرجل، ثم استدار ونظر إلى ذراع الشابة وصدرها.

كانت ثقوب السماء قد بدأت تتغطى برُقع غيمٍ بيضاء وكثيفة، وأضاء نور الشمس الأصفر نصف جذع الشجرة، فيما كان رجل يضع على رأسه طربوشاً يسأل بدهشة: “لماذا يتسلق إلى أعلى؟” فتمتم رجل قصير ذو كرش منتفخ يقف بجانبه في سره: “لا أعرف. ربما يكون مجنوناً”، فرد الشاب: “لا، ليس مجنوناً. ربما يحاول الانتحار”، مما أثار احتجاج رجل طويل وبدين أصلع الناصية: “ماذا إذن؟ أليس من ينتحر مجنوناً؟ أتظنه عاقلاً؟” وحين خرج شرطي من بين الحشد وسأل بصوت أجش: “ما الأمر؟” لم يُجب أحد من الناس، واكتفوا بالنظر إلى أعلى، حينها كان الرجل قد خرج لتوه من الظل، وبدأت الشمس تلمع على بزّته الرمادية، فأثار غضب الشرطي أنه يتسلق الشجرة، ومتى؟ في وضح النهار، لذا قبض على عصاه بقوة وصاح: “أيها البغل، انزل! ماذا تفعل هناك في الأعلى؟” مما تسبب بضحكة خفيفة صدرت عن الرجل الذي شق طريقه بين حشد الناس، فاستدار الشرطي ونظر إليه بحنق، وانزلقت يده على عصاه، ثم عاد بنظره الحاد إلى الناس، وزمجر: “ما الذي يحدث؟ هل يوزَّع الخبز والحلوى هناك؟” ثم دفع بعض الناس جانباً واستدار لينظر إلى الرجل الذي كان قد وصل إلى قمة شجرة الدلب، وسحب بإصبعين من يده اليمنى على أحد طرفي شاربيه اللذين كانا يثقلان شفته العليا، ووقف صامتاً.

اندفعت امرأة رثة الثياب تحمل طفلاً شاحباً على وركها إلى الحشد، ومدت يدها لأحدهم وقالت: “سيدي! عشرة شاهيات فقط!” ولكن عندما رأت أن الجميع ينظرون إلى أعلى الشجرة، مالت هي الأخرى بنظرة فارغة إلى حيث كانوا ينظرون، وسال مخاط من منخري طفلها إلى شفته السفلى كدودة بيضاء.

ركضت امرأة ترتدي ملاءة من ذاك الطرف من الشارع إلى الآخر، وتبعها طفلان بأعمار مختلفة، وعندما رأت الرجل على قمة الشجرة قالت: “يا إلهي! ماذا يفعل هذا هناك؟ سيسقط هذا الشاب قريباً”، لكن أحداً لم يُجب، ولم يُسمَع إلا صوت المرأة المتسولة، إذ كانت قد مدت يدها أمام الرجل ذي النظارة الذي كان يتبع الشاب ببصره باهتمام إلى أعلى الشجرة وقالت: “سيدي! فقط عشرة شاهيات!” وطفلها يراقب الناس بعينين سوداوين صغيرتين، ويلعق بطرف لسانه سيولة أنفه، وهو يحرك يديه المتسختين والشاحبتين والنحيلتين، وقد برزت بعض الشعيرات الشائكة من تحت وشاح المرأة المتسولة الأبيض والمتسخ، وتناثرت على وجهها، فحركت ملاءتها فوق رأسها، وتحرك معها الوشاح المغضن والمتسخ المثبت بدبوس تحت حلقها.

قال الرجل ذو النظارة بهدوء: “حسناً، فليذهب أحد ما، وليمسك به قبل أن يلقي بنفسه إلى أسفل”، فردّ الشاب: “لا يمكن… قبل أن يصل أحد إليه سيكون قد ألقى بنفسه إلى الشارع”، ثم قال للمتسولة التي تسمّرت أمامه: “ليس معي نقود فراطة”.

اصطفت السيارات رتلاً في الشارع، وأخرجت شابة رأسها من المقعد الأمامي وهي تراقب الرجل يتمايل على شجرة الدلب، فيما ترجّل من السيارة رجلٌ ذو كرش تتدلى من ياقته البيضاء ربطة عنق عريضة، واقترب من الحشد، ووصل عدد من رجال الشرطة واختلطوا بالناس، محاولين تفريقهم، لكن الناس تدافعوا وتحركوا إلى هنا وهناك ثم تجمعوا مجدداً، ثم سأل الرجل البدين ذو ربطة العنق الشرطي ذا الشاربين: “ما الأمر؟ ماذا يفعل هذا الرجل الأخرق في أعلى الشجرة؟” فضرب الشرطي بكعبيه على الأرض وأدى التحية والخوف بادٍ عليه، ثم تمتم: “سيدي العقيد! سينتحر”.

نظر الناس أولاً إلى الشرطي ذي الشاربين، ثم إلى الرجل البدين الأنيق، وعادوا للانشغال مجدداً بمراقبة الرجل وهو يترنح في أعلى الشجرة، فيما تردد صدى صوت بياع الجرائد في الهواء من خلف الحشد: “عاجل! اليوم قَتل شابٌ بائعتي هوى. عاجل بقران واحد!” وبعد برهة انقطع صوت بائع الجرائد، فخطرت لي فكرة، فرفعت رأسي وصرخت: “يا فتى، سنجمع لك بعض المال. توقف عن هذا العمل الجنوني”، فانفجر صوتي في الحشد.

مددت يدي إلى جيبي فاصطدمتْ بقطعتي عملة فضيتين من فئة تومان، فأخرجتهما ورميتهما أمام قدمي، فتدحرجت إحداهما واختفت تحت أقدام الناس الذين تدافعوا حتى وجدوها، ثم مد كل واحد يده في جيوبه وألقى قطعة فوقها، فأصدرت صليلاً وهي تصطدم ببعضها، لكن رجلاً سميناً وقصيراً أخذ يقلب جيوبه باحثاً عن نقود من دون أن يجد شيئاً، ثم قال بصوت هادئ حرص على أن يجعلني أسمعه: “آه! لسوء الحظ! ليس معي نقود فراطة”، أما المرأة التي ترتدي ملاءة فأخرجت صرّة معقودة من تحت جواربها، والتقطت منها عملتين فضيتين مسودَّتين من فئة عشرة شاهيات وألقتهما على النقود، لكن صوت الرجل دوّى فجأة من أعلى الشجرة في آذان الناس برنّة غريبة ومرتجفة، وكأنه صوت قادم من قاع بئر: “لا أريد مالاً.. خذوا أموالكم وأنفقوها على قبور آبائكم”، عندها توقّف الناس عن إلقاء المزيد من المال، فحدقت المتسولة في المال ثم اختفت بين الحشد.

قال الرجل الأنيق شيئاً للشرطي ذي الشاربين، فاستدار الأخير، وصاح موجهاً وجهه للأعلى: “هيه! يا فتى، تعال انزل، السيد العقيد مستعد لمساعدتك.”

كان ضابط قصير القامة ذو شاربين رفيعين قد بزغا حديثاً فوق شفتيه يدفع الناس من الخلف شاقاً طريقه بينهم، وعندما وصل إلى المقدمة صاح رئيس الشرطة: “أسرعوا وفرّقوا هؤلاء الناس”، فانزلق صوت الرجل من أعلى الشجرة إليهم: “لتَفنوا جميعاً، أنا لا أريد صدقة”.

رفع الضابط الذي وصل حديثاً نظره، ثم سأل الشرطيين الواقفين في حالة تأهب واستعداد: “ماذا يفعل هناك في الأعلى؟” فهمس أحدهما: “إنه يحاول الانتحار”، فردّ الضابط: “حسناً، الانتحار لا يعني التجمهر. هيا، تفرقوا”. ثم التفت إلى الناس وصاح: “أيها السادة، ما بكم؟ تفرقوا”، وفي تلك اللحظة وقعت عيناه فجأة على العقيد، فجمع نفسه ووقف باستعداد، وأدى التحية، فتفرق رجال الشرطة وسط الحشد، فيما كان صوت صفارات شرطة المرور ممن كانوا يحثّون سائقي السيارات على التحرك رغماً عنهم يصم الآذان، وكانت النقود تتدحرج تحت أقدام الناس، فينحني بعضهم لجمعها، وسط الازدحام الذي سبّب الضيق للشابة، فحملت طفلها، وخرجت من الحشد، واختفى الشاب خلفها.

زمجر أحدهم من أنفه: “كيف يمكن الإمساك به ومنعه؟ هل الدنيا سائبة؟!” ثم رفع منديله إلى أنفه، ونفّ فيه بشدة، فقطب الناس وجوههم، لكنه لم يكترث، بل غضّن منديله بإهمال ودسّه في جيبه، وحدق في قمة الشجرة مرة أخرى.

على الجانب الآخر من الحشد قال شابٌّ ضخم الجثّة وهو يُدخّن لفافة تبغ: “إذا سقط، فسيقتل معه اثنين أو ثلاثة آخرين! لكن يبدو أنه عدَلَ عن الأمر، فها هو ينظر إلى الناس!” ثم قال للرجل الذي يدفعه من الخلف: “يا عمّ، لماذا تدفعني؟ ألا تستطيع الوقوف بثبات؟” فيما كان رجلٌ يحمل طفلاً على ظهره ويُحاول توجيه نظر الطفل الأشقر نحو الأعلى: “يا بُني، انظر إلى الأعلى! هناك، إنه يجلس في أعلى شجرة الدلب”.

على الجانب الآخر كان رجلٌ نحيلٌ يلوّح محرِّكاً الهواء أمام وجهه بمجلة على غلافها صورة امرأةٍ مبتسمة ذات صدر ممتلئ وشفاف، وخلف الشجرة كان الناس يُحدّقون من فوق أكتاف بعضهم، والسيارات تمر واحدةً بعد الأخرى، وركابها ينظرون إلى أعلى الشجرة من خلال نوافذ الحافلات، وشرطي المرور يُطلق صافرته باستمرار فيما يتحرك بعض رجال الشرطة بين حشد الناس.

ارتفع صوت شابٍّ مازحاً من خلف الحشد: “ربما يعتقد هذا الرجل أن هذه الشجرة مقام ولي، فذهب ليسأل مراده”، وصاح مجدداً: “هيه! يا ولد، تعال لئلا تسقط، فيدخل إبهامك في عينك!” فقطّب بضعة أشخاص وجوههم عابسين، فانقطع صوت الشاب، فيما تذمر بعض الحاضرين بغمغمة، وانصرفوا واحداً فواحداً، وغادروا الحشد، وسأل الوافدون الجدد: “ما الأمر يا سيدي؟” ثم نظروا إلى أعلى الشجرة.

امتد ضوء خافت على طول أعمدة الإنارة، فيما كان بعض راكبي الدراجات من الجانب الآخر من الشارع يترجلون ويتجهون إلى هذا الطرف، وشرطي المرور يحاول صرفهم، وبين الحين والآخر كان يتناهى إلى السمع صوت إفراغ إطار دراجة هوائية وسط ذاك الهواء الخانق، ويختفي رويداً رويداً، ثم يملأ صوت راكب تلك الدراجة الآذان بغمغمة متذمرة.

تحرك الرجل في أعلى شجرة الدلب وانحنى، ثم شد يديه على عقدة شجرة الدلب وجلس مكانه مجدداً، من دون أن يُسمع أي صوت من الحشد، وفيما كان الجميع ينظرون إلى الأعلى همس الرجل السمين والقصير في أذني على حين غرة: “لن يلقي بنفسه الآن، سينتظر حتى يخلو المكان”.

ألقيتُ نظرةً خاطفةً على الحشد، فانتبهت إلى أن السيارات قد غادرت، والشارع شبه خالٍ، لكن منصِّف الشارع كان حاشداً بالناس وراكبي الدراجات ممن يتناهى إلى طرفنا صوت ثرثرتهم. شعرتُ بالتعب مع أني كنت قد بدلت ارتكازي في الوقوف من ساقٍ إلى أخرى مرات عديدة. حين تمكنتُ من الخروج من الحشد رأيت في آخرِه بضع فتيات يقفن في الخلف. كانت إحداهن جميلة جداً، ولها شامة سوداء تعلو شفتها. استدرتُ وعدتُ أنظر إلى أعلى، فرأيتُ الرجل يدير ظهره للشارع وينظر في هذا الاتجاه إلى خلفية المتاجر. جبتُ الشارع بأكمله وأنا مرهَق ومشتت، وعندما عدتُ رأيتُ أن الحشد قد خفّ وتضاءل، لكن الرجل كان لا يزال جالساً على قمة شجرة الدلب.

اشتريتُ تذكرة فيلم من مكان قريب، واختفيتُ بين الناس في السينما، لكن صورة رجلٍ مُمَدَّد على بلاط الشارع الأسود يسيل من أنفه خطّان رقيقان من الدماء، كانت تتشكل باستمرار في الهواء أمامي ثم تتلاشى، ثم يعود ليحيا أمامي مرة ​​أخرى هيكلٌ يرتدي ثياباً مهترئة، برأسٍ مكسورٍ ودماغٍ متناثرٍ في منتصف الشارع.

لم أفهم شيئاً من الفيلم، وعندما خرجت كانت الشوارع خالية، لكن المتاجر كانت لا تزال مفتوحة. كان الحشد قد انتشر في الشارع، ومساعدو السائقين يصرخون بأصواتهم الجشّاء: “مسجد الجمعة.. بهلوي.. هل أنت قادم يا سيدي؟ أسرع، أسرع”.

عندما وصلتُ إلى شجرة الدلب لم أرَ أحداً حولها، ولم يكن الرجل فوقها أيضاً، لكن كان هناك رجلان يقفان أمامها ويتحدثان. كان أحدهما أصلع الرأس وكثيف الشعر في ذراعيه الممدودتين حتى مرفقيه. حين سألته: “معذرةً يا سيدي، هل ألقى ذلك الرجل الأخرق نفسه للأسفل؟” نظر إليّ نظرة فارغة وقال: “هل صدقت أنه سيفعل ذلك يا سيد؟ عندما رأى الشارع خالياً، نزل وأراد الذهاب، ولكن…”، فقاطعه الرجل الذي بجانبه، والذي بدا وكأنه وُلد في شهره السابع لشدة ما هو عجول وفاقد الصبر، وسأله: “بالمناسبة؛ لماذا صعد إلى أعلى شجرة الدلب؟” فأجاب صديقه: “لا أعرف، ربما كان يريد الانتحار ثم ندم”، لكن فتى في مقتبل العمر يعمل بائعاً في المتجر القريب أخرج رأسه من متجره ضاحكاً وقال: “لا بد من أنه كان يشاهد الفيلم”، فقال الرجل العجول: “اللعنة على هذا الوغد الشرير.. يجب أن يُترك ليتعفن في زاوية من السجن حتى لا توسوس له نفسه بأن يشاهد فيلماً بالمجان بعد الآن”.

في صباح غد ذلك اليوم كان بعض عمال البلدية يقطعون شجرة الدلب المعمرة في شارع “تشاهارباغ”.

[i] هوشنگ گلشیری: كاتب إيراني معاصر ومشهور، وله العديد من الروايات والمجموعات القصصية، والقصة المترجَمة “چنار: شجرة الدلب” موجودة في مجموعة الأعمال القصصية الكاملة للكاتب، والتي تحمل عنوان: “نيمه­ى تاریک ماه: الوجه المظلم للقمر”.

[ii] عضو هيئة تدريسية في جامعة طرطوس- البريد الأكاديمي: ButhainaShemous@tartous-univ.edu.sy

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of